الجصاص

432

أحكام القرآن

به . ودليل آخر : وهو أن سائر أعضاء الوضوء لما كان المفروض منها مقدار وجب أن يكون كذلك حكم مسح الرأس ، لأنه من أعضاء الوضوء ، وهذا يحتج به على مالك والشافعي جميعا ، لأن مالكا يوجب مسح الأكثر ويجيز ترك القليل منه فيحصل المفروض مجهول المقدار ، والشافعي يقول : " كل ما وقع عليه اسم المسح جاز " وذلك مجهول القدر ، وما قلنا من مقدار ثلاثة أصابع فهو معلوم ، وكذلك الربع في الرواية الأخرى فهو موافق لحكم أعضاء الوضوء من كون المفروض منها معلوم القدر ، وقول مخالفينا على خلاف المفروض من أعضاء الوضوء ، ويجوز أن نجعل ذلك ابتداء دليل في المسألة من غير اعتبار له بمقدار الناصية ، وذلك بأن نقول : لما وجب أن يكون المفروض في مقدار المسح مقدرا اعتبارا بسائر أعضاء الوضوء ثم لم يقدره أحد بغير ما ذكرنا من مقدار ثلاثة أصابع أو مقدار ربع الرأس ، وجب أن يكون هذا هو المفروض من المقدار . فإن قيل : ما أنكرت أن يكون مقدرا بثلاث شعرات ؟ قيل له : هذا محال ، لأن مقدار ثلاث شعرات لا يمكن المسح عليه دون غيره ، وغير جائز أن يكون المفروض ما لا يمكن الاقتصار عليه ، وأيضا فهو قياس على المسح على الخفين لما كان مقدرا بالأصابع ، وبه وردت السنة وهو مسح بالماء ، وجب أن يكون مسح الرأس مثله . وأما وجه رواية من روى الربع ، فهو أنه لما ثبت أن المفروض البعض وأن مسح شعرة لا يجزي وجب اعتبار المقدار الذي يتناوله الاسم عند الإطلاق إذا أجرى على الشخص وهو الربع ، لأنك تقول : " رأيت فلانا " والذي يليك منه الربع ، فيطلق عليه الاسم ، فلذلك اعتبروا الربع واعتبروا أيضا في حلق الرأس الربع لا خلاف بينهم فيه أنه يحل به المحرم إذا حلقه ، ولا يحل عند أصحابنا بأقل منه ، فلذلك يوجبون به دما إذا حلقه في الإحرام . واختلف الفقهاء في مسح الرأس بأصبع واحدة ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : " لا يجوز مسحه بأقل من ثلاث أصابع ، وإن مسحه بأصبع أو إصبعين ومدها حتى يكون الممسوح مقدار ثلاثة أصابع لم يجز " . وقال الثوري وزفر والشافعي : " يجزيه " إلا أن زفر يعتبر الربع ، والأصل في ذلك أنه لا يجزي في مفروض المسح نقل الماء من موضع إلى موضع ، وذلك لأن المقصد فيه إمساس الماء الموضع لا إجراؤه عليه ، فإذا وضع أصبعا فقد حصل ذلك الماء ممسوحا به ، فغير جائز مسح موضع غيره به ، وليس كذلك الأعضاء المغسولة لأنه لو مسحها بالماء ولم يجره عليها لم يجزه ، فلا يحصل معنى الغسل إلا بجريان الماء على العضو وانتقاله من موضع إلى موضع ، فلذلك لم يكن مستعملا بحصوله من موضع وانتقاله إلى غيره من ذلك العضو . وأما المسح فلو