الجصاص
416
أحكام القرآن
حاجة إلى ابن عباس ، فلما قضى حاجته من ابن عباس كان من حديثه يومئذ قال : بينا النبي صلى الله عليه وسلم في سكة من سكك المدينة وقد خرج من غائط أو بول ، فخرج عليه رجل فسلم عليه ، فلم يرد عليه ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بكفيه على الحائط ثم مسح وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه إلى المرفقين ، ثم رد على الرجل السلام وقال : " لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني لم أكن على وضوء " أو قال : " على طهارة " . فهذا يدل على أن رد السلام كان مشروطا فيه الطهارة ، وجائز أن يكون ذلك كان خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه لم يرو أنه نهى عن رد السلام إلا على طهارة . ويدل على أن ذلك كان على الوجوب أنه تيمم حين خاف فوت الرد ، لأن رد السلام إنما يكون على الحال ، فإذا تراخى فات ، فكان بمنزلة من خاف فوت صلاة العيد أو صلاة الجنازة إن توضأ فيجوز له التيمم . وجائز أن يكون قد نسخ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ويجوز أن يكون هذا الحكم قد كان باقيا إلى أن قبضه الله تعالى . وقد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أنهم كانوا يتوضؤون لكل صلاة ، وهذا محمول على أنهم فعلوه استحبابا . وقال سعد : " إذا توضأت فصل بوضوئك ما لم تحدث " . وقد روى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس أن عبيد بن عمير كان يتوضأ لكل صلاة ويتأول قوله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة ) فأنكر ذلك عليه ابن عباس . وقد روي نفي إيجاب الوضوء لكل صلاة من غير حدث عن ابن عمر وأبي موسى وجابر بن عبد الله وعبيدة السلماني وأبي العالية وسعيد بن المسيب وإبراهيم والحسن ، ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في فضيلة تجديد الوضوء ، منها ما حدثنا من لا أتهم قال : حدثنا محمد بن زيد قال : حدثنا سعيد قال : حدثنا سلام الطويل عن زيد العمى عن معاوية بن قرة عن ابن عمر قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ مرة مرة وقال : " هذا وظيفة الوضوء وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به " ثم تحدث ساعة ، ثم دعا بماء فتوضأ مرتين مرتين فقال : " هذا وضوء من توضأ به ضاعف الله له الأجر مرتين " ، ثم تحدث ساعة ، ثم دعا بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا فقال : " هذا وضوئي ووضوء النبيين من قبلي " . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الوضوء على الوضوء نور على نور " . وقال صلى الله عليه وسلم : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة " . فهذا كله يدل على استحباب الوضوء عند كل صلاة وإن لم يكن محدثا ، وعلى هذا يحمل ما روي عن السلف من تجديد الوضوء عند كل صلاة ، وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه توضأ ومسح على نعليه وقال : " هذا وضوء من لم يحدث " ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم . فثبت بما قدمنا أن قوله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة ) غير موجب للوضوء لكل صلاة ، وثبت أنه غير مستعمل على