الجصاص
41
أحكام القرآن
حتى لا يمكن تغيير ما هم عليه من المنكر ، فجائز قتل من كان منهم مقيما على ذلك ، وجائز مع ذلك تركهم لمن خاف إن أقدم عليهم بالقتل أن يقتل ، إلا أن عليه اجتنابهم والغلظة عليهم بما أمكن وهجرانهم ، وكذلك حكم سائر من كان مقيما على شئ من المعاصي الموبقات مصرا عليها مجاهرا بها فحكمه حكم من ذكرنا في وجوب النكير عليهم بما أمكن وتغيير ما هم عليه بيده ، وإن لم يستطع فلينكره بلسانه ، وذلك إذا رجا أنه إن أنكر عليهم بالقول أن يزولوا عنه ويتركوه ، فإن لم يرج ذلك وقد غلب في ظنه أنهم غير قابلين منه مع علمهم بأنه منكر عليهم وسعه السكوت عنهم بعد أن يجانبهم ويظهر هجرانهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فليغيره بلسانه فإن لم يستطع فليغيره بقلبه " ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " فإن لم يستطع " قد فهم منه أنهم إذا لم يزولوا عن المنكر فعليه إنكاره بقلبه سواء كان في تقية أو لم يكن ، لأن قوله : " إن لم يستطع " معناه أنه لا يمكنه إزالته بالقول فأباح له السكوت في هذه الحال . وقد روي عن ابن مسعود في قوله تعالى : ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) [ المائدة : 105 ] : مر بالمعروف وانه عن المنكر ما قبل منك ، فإذا لم يقبل منك فعليك نفسك . وحديث أبي ثعلبة الخشني أيضا الذي قدمناه يدل على ذلك ، لأنه قال صلى الله عليه وسلم : " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع عنك العوام " يعني والله أعلم : إذا لم يقبلوا ذلك واتبعوا أهواءهم وآراءهم فأنت في سعة من تركهم وعليك نفسك ودع أمر العوام ، وأباح ترك النكير بالقول فيمن هذه حاله . وروي عن عكرمة أن ابن عباس قال له : قد أعياني أن أعلم ما فعل بمن أمسك عن الوعظ من أصحاب السبت ، فقلت له : أنا أعرفك ذلك ، إقرأ الآية الثانية قوله تعالى : ( أنجينا الذين ينهون عن السوء ) [ الأعراف : 165 ] ، قال : فقال لي : أصبت ! وكساني حلة . فاستدل ابن عباس بذلك على أن الله أهلك من عمل السوء ومن لم ينه عنه ، فجعل الممسكين عن إنكار المنكر بمنزلة فاعليه في العذاب . وهذا عندنا على أنهم كانوا راضين بأعمالهم غير منكرين لها بقلوبهم ، وقد نسب الله تعالى قتل الأنبياء المتقدمين إلى من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود الذين كانوا متوالين لأسلافهم القاتلين لأنبيائهم ، بقوله : ( قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم ) [ آل عمران : 183 ] ، وبقوله : ( فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ) [ البقرة : 91 ] ، فأضاف القتل إليهم وإن لم يباشروه ولم يقتلوه إذ كانوا راضين بأفعال القاتلين ، فكذلك ألحق الله تعالى من لم ينه عن السوء من أصحاب السبت بفاعليه ، إذ كانوا به راضين ولهم عليه متوالين . فإذا كان منكرا للمنكر بقلبه ولا يستطيع تغييره على غيره فهو غير داخل في وعيد فاعله ، بل هو