الجصاص

4

أحكام القرآن

ثبوت الحكم فيشتبه على التالي حكمه في ثبوته ونسخه ، فمن هذا الوجه جائز أن يسمى المنسوخ متشابها . وأما قول من قال : إن المحكم هو الذي لم تتكرر ألفاظه والمتشابه هو الذي تتكرر ألفاظه ، فإن اشتباه هذا من جهة اشتباه وجه الحكمة فيه على السامع ، وهذا سائغ عام في جميع ما يشتبه فيه وجه الحكمة فيه على السامع إلى أن يتبينه ويتضح له وجهه ، فهذا مما يجوز فيه إطلاق اسم المتشابه . وما لا يشتبه فيه وجه الحكمة على السامع فهو المحكم الذي لا تشابه فيه على قول هذا القائل ، فهذا أيضا أحد وجوه المحكم والمتشابه وإطلاق الاسم فيه سائغ جائز . وأما ما روي عن جابر بن عبد الله أن المحكم ما يعلم تعيين تأويله والمتشابه مالا يعلم تأويله ، كقوله تعالى : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) [ الأعراف : 187 ] وما جرى مجرى ذلك ، فإن إطلاق اسم المحكم والمتشابه سائغ فيه ، لأن ما علم وقته ومعناه فلا تشابه فيه وقد أحكم بيانه ، وما لا يعلم تأويله ومعناه ووقته فهو مشتبه على سامعه فجائز أن يسمى بهذا الاسم . فجميع هذه الوجوه يحتمله اللفظ على ما روي فيه ، ولولا احتمال اللفظ لما ذكروا لما تأولوه عليه . وما ذكرناه من قول من قال إن المحكم هو مالا يحتمل إلا معنى واحدا والمتشابه ما يحتمل معنيين ، فهو أحد الوجوه الذي ينتظمها هذا الاسم ، لأن المحكم من هذا القسم سمي محكما لإحكام دلالته وإيضاح معناه وإبانته ، والمتشابه منه سمي بذلك لأنه أشبه المحكم من وجه واحتمل معناه وأشبه غيره مما يخالف معناه معنى المحكم فسمي متشابها من هذا الوجه . فلما كان المحكم والمتشابه يعتورهما ما ذكرنا من المعاني احتجنا إلى معرفة المراد منها بقوله تعالى : ( منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) ، مع علمنا بما في مضمون هذه الآية وفحواها من وجوب رد المتشابه إلى المحكم وحمله على معناه دون حمله على ما يخالفه لقوله تعالى في صفة المحكمات : ( هن أم الكتاب والأم ) هي التي منها ابتداؤه وإليها مرجعه ، فسماها أما ، فاقتضى ذلك بناء المتشابه عليها ورده إليها . ثم أكد ذلك بقوله : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) فوصف متبع المتشابه من غير حمله له على معنى المحكم بالزيغ في قلبه ، وأعلمنا أنه مبتغ للفتنة ، وهي الكفر والضلال في هذا الموضع كما قال تعالى : ( والفتنة أشد من القتل ) [ البقرة : 191 ] يعني والله أعلم : الكفر ، فأخبر أن متبع المتشابه وحامله على مخالفة المحكم في قلبه زيغ - يعني الميل عن الحق - يستدعي غيره بالمتشابه إلى الضلال والكفر ، فثبت بذلك أن المراد بالمتشابه المذكور في هذه الآية هو اللفظ المحتمل للمعاني الذي يجب رده إلى المحكم وحمله على معناه . ثم نظرنا بعد ذلك في المعاني التي تعتور هذا اللفظ وتتعاقب عليه مما قدمنا ذكره في أقسام