الجصاص
396
أحكام القرآن
وذلك شامل لجميع ما شملته الإباحة وانتظمه الإطلاق ، لأن السؤال وقع عن جميع ما يحل لهم من الصيد فخص الجواب بالأوصاف المذكورة ، فلا تجوز استباحة شئ منه إلا على الوصف المذكور . ثم قال تعالى : ( تعلمونهن مما علمكم الله ) ، فروي عن سلمان وسعد أن تعليمه أن يضرى على الصيد ويعود إلى إلف صاحبه حتى يرجع إليه ولا يهرب عنه . وكذلك قال ابن عمر وسعيد بن المسيب ، ولم يشرطوا فيه ترك الأكل . وروي عن غيرهما أن ذلك من تعليم الكلب ، وأن من شرط إباحة صيده أن لا يأكل منه ، فإن أكل منه لم يؤكل ، وهو قول ابن عباس وعدي بن حاتم وأبي هريرة ، وقالوا جميعا في صيد البازي إنه يؤكل منه وإن أكل منه ، وإنما تعليمه أن تدعوه فيجيبك . ذكر اختلاف الفقهاء في ذلك مطلب : لا يؤكل صيد الكلب المعلم إذا أكل منه ويؤكل صيد البازي وإن أكل منه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : " إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم لا يؤكل صيده ، ويؤكل صيد البازي وإن أكل " ، وهو قول الثوري . وقال مالك والأوزاعي والليث : " يؤكل وإن أكل الكلب منه " . وقال الشافعي : " لا يؤكل إذا أكل الكلب منه والبازي مثله في القياس " . قال أبو بكر : اتفق السلف المجيزون لصيد الجوارح من سباع الطير أن صيدها يؤكل وإن أكلت منه ، منهم سعد وابن عباس وسلمان وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن المسيب ، وإنما اختلفوا في صيد الكلب ، فقال علي بن أبي طالب وابن عباس وعدي بن حاتم وأبو هريرة وسعيد بن جبير وإبراهيم : " لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه " . وقال سلمان وسعد وابن عمر : " يؤكل صيده وإن لم يبق منه إلا ثلثه " . وهو قول الحسن وعبيد بن عمير ، وإحدى الروايتين عن أبي هريرة وعطاء وسليمان بن يسار وابن شهاب . قال أبو بكر : معلوم من حال الكلب قبوله للتأديب في ترك الأكل ، فجائز أن يعلم تركه ويكون تركه للأكل علما للتعليم ودلالة عليه ، فيكون تركه للأكل من شرائط صحة ذكاته ووجود الأكل مانع من صحة ذكاته . وأما البازي فإنه معلوم أنه لا يمكن تعليمه بترك الأكل وأنه لا يقبل التعليم من هذه الجهة ، فإذ كان الله قد أباح صيد جميع الجوارح على شرط التعليم فغير جائز أن يكون من شرط التعليم للبازي تركه الأكل ، إذ لا سبيل إلى تعليمه ذلك ، ولا يجوز أن يكلفه الله تعليم ما لا يصح منه التعلم وقبول التأديب ، فثبت أن ترك الأكل ليس من شرائط تعلم البازي وجوارح الطير ، وكان ذلك من شرائط تعلم الكلب لأنه يقبله ويمكن تأديبه به . ويشبه أن يكون ما روي عن علي بن أبي طالب وغيره في حظر ما قتله البازي ، من حيث كان عندهم أن من شرط التعليم ترك