الجصاص

382

أحكام القرآن

( والدم ) كانت الألف واللام للمعهود ، وهو الدم المخصوص بالصفة ، وهو أن يكون مسفوحا ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " أحلت لي ميتتان ودمان " إنما ورد مؤكدا لمقتضى قوله عز وجل : ( قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ) [ الانعام : 196 ] إذ ليسا بمسفوحين ، ولو لم يرد لكانت دلالة الآية كافية في الاقتصار بالتحريم على المسفوح منه دون غيره وأن الكبد والطحال غير محرمين . وقوله تعالى : ( ولحم الخنزير ) فإنه قد تناول شحمه وعظمه وسائر أجزائه ، ألا ترى أن الشحم المخالط للحم قد اقتضاه اللفظ لأن اسم اللحم يتناوله ؟ ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك ، وإنما ذكر اللحم لأنه معظم منافعه ، وأيضا فإن تحريم الخنزير لما كان مبهما اقتضى ذلك تحريم سائر أجزائه كالميتة والدم ، وقد ذكرنا حكم شعره وعظمه فيما تقدم . وأما قوله : ( وما أهل لغير الله به ) فإن ظاهره يقتضي تحريم ما سمي عليه غير الله ، لأن الإهلال هو إظهار الذكر والتسمية ، وأصله استهلال الصبي إذا صاح حين يولد ، ومنه إهلال المحرم ، فينتظم ذلك تحريم ما سمي عليه الأوثان على ما كانت العرب تفعله ، وينتظم أيضا تحريم ما سمي عليه اسم غير الله أي اسم كان ، فيوجب ذلك أنه لو قال عند الذبح : " باسم زيد أو عمرو " أن يكون غير مذكى ، وهذا يوجب أن يكون ترك التسمية عليه موجبا تحريمها ، وذلك لأن أحدا لا يفرق بين تسمية زيد على الذبيحة وبين ترك التسمية رأسا . قوله تعالى : ( والمنخنقة ) فإنه روي عن الحسن وقتادة والسدي والضحاك أنها التي تختنق بحبل الصائد أو غيره حتى تموت ، ومن نحوه حديث عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ذكوا بكل شئ إلا السن والظفر " ، وهذا عندنا على السن والظفر غير المنزوعين ، لأنه يصير في معنى المخنوق . وأما قوله تعالى : ( والموقوذة ) فإنه روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي أنها المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت ، يقال فيه : وقذه يقذه وقذا وهو وقيذ ، إذا ضربه حتى يشفى على الهلاك . ويدخل في الموقوذة كل ما قتل منها على غير وجه الزكاة ، وقد روى أبو عامر العقدي عن زهير بن محمد عن زيد بن أسلم عن ابن عمر ، أنه كان يقول في المقتولة بالبندقة : " تلك الموقوذة " . وروى شعبة عن قتادة عن عقبة بن صهبان عن عبد الله بن المغفل ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال : " إنها لا تنكأ العدو ولا تصيد الصيد ولكنها تكسر السن وتفقأ العين " . ونظير ذلك ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن عيسى قال : حدثنا جرير عن منصور عن