الجصاص
371
أحكام القرآن
فالعقد ما يلزم به حكم في المستقبل ، واليمين على المستقبل إنما كانت عقدا لأن الحالف قد أكد على نفسه أن يفعل ما حلف عليه بذلك ، وذلك معدوم في الماضي ، ألا ترى أن من قال : " والله لأكلمن زيدا " فهو مؤكد على نفسه بذلك كلامه ؟ وكذلك لو قال : " والله لا كلمت زيدا " كان مؤكدا به نفي كلامه ملزما نفسه به ما حلف عليه من نفي أو إثبات ، فسمي من أجل التأكيد الذي في اللفظ عقدا تشبيها بعقد الحبل الذي هو بيده والاستيثاق به ، ومن أجله كان النذر عقدا ويمينا لأن الناذر ملزم نفسه ما نذره ومؤكد على نفسه أن يفعله أو يتركه . ومتى صرف الخبر إلى الماضي لم يكن ذلك عقدا كما لا يكون ذلك إيجابا وإلزاما ونذرا ، وهذا يبين معنى ما ذكرنا من العقد على وجه التأكيد والإلزام . ومما يدل على أن العقد هو ما تعلق بمعنى مستقبل دون الماضي ، أن ضد العقد هو الحل ، ومعلوم أن ما قد وقع لا يتوهم له حل عما وقع عليه بل يستحيل ذلك فيه ، فلما لم يكن الحل ضدا لما وقع في الماضي علم أنه ليس يعقد لأنه لو كان عقدا لكان له ضد من الحل يوصف به كالعقد على المستقبل . مطلب : شرط انعقاد البر إمكان البر إمكانا عقليا فإن قيل : قوله " إن دخلت الدار فأنت طالق " و " أنت طالق إذا جاء غد " هو عقد ولا يلحقه الانتقاض والفسخ . قيل له : جائز أن لا يقع ذلك بموتها قبل وجود الشرط فهو مما يوصف بضده من الحل ، ولذلك قال أبو حنيفة فيمن قال : " إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فعبدي حر " وليس في الكوز ماء ، أن يمينه لا تنعقد ولم يكن ذلك عقدا ، لأنه ليس له نقيض من الحل ، ولو قال : " إن لم أصعد السماء فعبدي حر " حنث بعد انعقاد يمينه ، لأن لهذا العقد نقيضا من الحل ، وإن كنا قد علمنا أنه لا يبر فيه ، لأنه عقد اليمين على معنى متوهم معقول ، إذ كان صعود السماء معنى متوهما معقولا ، وكذلك تركه معقول جائز ، وشرب ما ليس بموجود مستحيل توهمه فلم يكن ذلك عقدا . وقد اشتمل قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) على إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس ، وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان ، وهو نظير قوله تعالى : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) [ النحل : 91 ] وقوله تعالى : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) [ البقرة : 40 ] وعهد الله تعالى أوامره ونواهيه . وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) أي بعقود الله فيما حرم وحلل ، وعن الحسن قال : " يعني عقود الدين " . واقتضى أيضا الوفاء بعقود البياعات والإجازات والنكاحات وجميع