الجصاص
365
أحكام القرآن
في قوله تعالى : ( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) [ النساء : 103 ] ، وأخبر أيضا أنهم يقومون إلى الصلاة كسالى مراءاة للناس ، والكسل هو التثاقل عن الشئ للمشقة فيه مع ضعف الدواعي إليه ، فلما لم يكونوا معتقدين للإيمان لم يكن لهم داع إلى الصلاة إلا مراءاة للناس خوفا منهم . قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) ، فإن الولي هو الذي يتولى صاحبه بما يجعل له من النصرة والمعونة على أمره ، والمؤمن ولي الله بما يتولى من إخلاص طاعته ، والله ولي المؤمنين بما يتولى من جزائهم على طاعته . واقتضت الآية النهي عن الاستنصار بالكفار والاستعانة بهم والركون إليهم والثقة بهم ، وهو يدل على أن الكافر لا يستحق الولاية على المسلم بوجه ولدا كان أو غيره . ويدل على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في الأمور التي يتعلق بها التصرف والولاية ، وهو نظير قوله : ( لا تتخذوا بطانة من دونكم ) [ آل عمران : 118 ] ، وقد كره أصحابنا توكيل الذمي في الشرى والبيع ودفع المال إليه مضاربة ، وهذه الآية دالة على صحة هذا القول . قوله تعالى : ( وأخلصوا دينهم لله ) يدل على أن كل ما كان من أمر الدين على منهاج القرب ، فسبيله أن يكون خالصا لله سالما من شوب الرياء أو طلب عرض من الدنيا أو ما يحبطه من المعاصي ، وهذا يدل على امتناع جواز أخذ شئ من أعراض الدنيا على ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه القربة من نحو الصلاة والأذان والحج . قوله عز وجل : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) قال ابن عباس وقتادة : " إلا أن يدعو على ظالمه " ، وعن مجاهد رواية : " إلا أن يخبر بظلم ظالمه له " . وقال الحسن والسدي : " إلا أن ينتصر من ظالمه " . وذكر الفرات بن سليمان قال : سئل عبد الكريم عن قول الله : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) قال : هو الرجل يشتمك فتشتمه ، ولكن إن افترى عليك فلا تفتري عليه . وهو مثل قوله : ( ولمن انتصر بعد ظلمه ) [ الشورى : 41 ] . وروى ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن إبراهيم بن أبي بكر عن مجاهد في قوله : ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) قال : " ذاك في الضيافة ، إذا جئت الرجل فلم يضفك فقد رخص أن تقول فيه " . قال أبو بكر : إن كان التأويل كما ذكر فقد يجوز أن يكون ذلك في وقت كانت الضيافة واجبة ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة " ، وجائز أن يكون فيمن لا