الجصاص

361

أحكام القرآن

عن حارثة بن مضرب ، أنه أتى عبد الله فقال : ما بيني وبين أحد من العرب إحنة ، وإني مررت بمسجد بني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة ، فأرسل إليهم عبد الله ، فجاء بهم واستتابهم ، غير ابن النواحة قال له : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لولا أنك رسول لضربت عنقك " فأنت اليوم لست برسول ، أين ما كنت تظهر من الاسلام ؟ قال : كنت أتقيكم به ، فأمر به قرظة بن كعب فضرب عنقه بالسوق ، ثم قال : من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلا بالسوق ، فهذا مما يحتج به من لم يقبل توبة الزنديق ، وذلك لأنه استتاب القوم وقد كانوا مظهرين لكفرهم ، وأما ابن النواحة فلم يستتبه لأنه أقر أنه كان مسرا للكفر مظهرا للإيمان على وجه التقية ، وقد كان قتله إياه بحضرة الصحابة ، لأن في الحديث أنه شاور الصحابة فيهم . وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال : أخذ بالكوفة رجال يؤمنون بمسيلمة الكذاب ، فكتب فيهم إلى عثمان ، فكتب عثمان : " أعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن قالها وتبرأ من دين مسيلمة فلا تقتلوه ، ومن لزم دين مسيلمة فاقتله " فقبلها رجال منهم ولزم دين مسيلمة رجال فقتلوا . قوله تعالى : ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) ، قيل في معنى قوله : ( أولياء من دون المؤمنين ) أنهم اتخذوهم أنصارا وأعضادا لتوهمهم أن لهم القوة والمنعة بعداوتهم للمسلمين بالمخالفة جهلا منهم بدين الله ، وهذا من صفة المنافقين المذكورين في الآية ، وهذا يدل على أنه غير جائز للمؤمنين الاستنصار بالكفار على غيرهم من الكفار ، إذ كانوا متى غلبوا كان حكم الكفر هو الغالب ، وبذلك قال أصحابنا . وقوله : ( أيبتغون عندهم العزة ) يدل على صحة هذا الاعتبار وأن الاستعانة بالكفار لا تجوز ، إذ كانوا متى غلبوا كان الغلبة والظهور للكفار وكان حكم الكفر هو الغالب . فإن قيل : إذا كانت الآية في شأن المنافقين وهم كفار ، فكيف يجوز الاستدلال به على المؤمنين ؟ قيل له : لأنه قد ثبت أن هذا الفعل محظور فلا يختلف حكمه بعد ذلك أن يكون من المؤمنين أو من غيرهم ، لأن الله تعالى متى ذم قوما على فعل فذلك الفعل قبيح لا يجوز لأحد من الناس فعله إلا أن تقوم الدلالة عليه . وقيل إن أصل العزة هو الشدة ، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة " عزاز " وقيل : قد استعز المرض على المريض إذا اشتد مرضه ، ومنه قول القائل " عز علي كذا " إذا اشتد عليه ، وعز الشئ إذا قل لأنه يشتد مطلبه ، وعازه في الأمر إذا شاده فيه ، وشاة عزوز إذا كانت تحلب بشدة لضيق أحاليلها ، والعزة القوة منقولة عن الشدة ، والعزيز القوي المنيع ، فتضمنت الآية النهي عن اتخاذ