الجصاص

36

أحكام القرآن

لأنه يشهد الدليل الذي يميز به الحق من الباطل . قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) . روي عن عبد الله والحسن وقتادة في قوله : ( حق تقاته ) : " هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى " . وقيل إن معناه اتقاء جميع معاصيه . وقد اختلف في نسخه ، فروي عن ابن عباس وطاوس أنها محكمة غير منسوخة ، وعن قتادة والربيع بن أنس والسدي أنها منسوخة بقوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) [ التغابن : 16 ] ، فقال بعض أهل العلم : لا يجوز أن تكون منسوخة لأن معناه اتقاء جميع معاصيه ، وعلى جميع المكلفين اتقاء جميع المعاصي ، ولو كان منسوخا لكان فيه إباحة بعض المعاصي ، وذلك لا يجوز . وقيل : إنه جائز أن يكون منسوخا بأن يكون معنى قوله : ( حق تقاته ) القيام بحقوق الله تعالى في حال الخوف والأمن وترك التقية فيها ، ثم نسخ ذلك في حال التقية والإكراه ، ويكون قوله تعالى : ( ما استطعتم ) [ الأنفال : 60 ، والتغابن : 16 ] فيما لا تخافون فيه على أنفسكم ، يريد : فيما لا يكون فيه احتمال الضرب والقتل ، لأنه قد يطلق نفي الاستطاعة فيما يشق على الانسان فعله كما قال تعالى : ( وكانوا لا يستطيعون سمعا ) [ الكهف : 101 ] ومراده مشقة ذلك عليهم . قوله تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) . روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في معنى الحبل ههنا : " أنه القرآن " ، وكذلك روي عن عبد الله وقتادة والسدي . وقيل : إن المراد به دين الله . وقيل : بعهد الله ، لأنه سبب النجاة كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من غرق أو نحوه . ويسمى الأمان الحبل لأنه سبب النجاة . وذلك في قوله تعالى : ( إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) يعني به الأمان . إلا أن قوله : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) هو أمر بالاجتماع ونهي عن الفرقة ، وأكده بقوله : ( ولا تفرقوا ) معناه التفرق عن دين الله الذي أمروا جميعا بلزومه والاجتماع عليه . وروي نحو ذلك عن عبد الله وقتادة . وقال الحسن : " ولا تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " . وقد يحتج به فريقان من الناس : أحدهما نفاة القياس والاجتهاد في أحكام الحوادث ، مثل النظام وأمثاله من الرافضة ، والآخر من يقول بالقياس والاجتهاد ، ويقول مع ذلك إن الحق واحد من أقاويل المختلفين في مسائل الاجتهاد ، ويخطئ من لم يصب الحق عنده لقوله تعالى : ( ولا تفرقوا ) ، فغير جائز أن يكون التفرق والاختلاف دينا لله تعالى مع نهي الله تعالى عنه . وليس هذا عندنا كما قالوا ، لأن أحكام الشرع في الأصل على أنحاء : منها مالا يجوز الخلاف فيه ، وهو الذي دلت العقول على حظره في كل حال أو على إيجابه في كل حال ، فأما ما جاز أن يكون تارة واجبا وتارة محظورا وتارة مباحا ، فإن الاختلاف في