الجصاص

350

أحكام القرآن

شيئا من طريق الاجتهاد ، وذلك لأنا نقول إن ما صدر عن اجتهاد فهو مما أراه الله وعرفه إياه ومما أوحى به إليه أن يفعله ، فليس في الآية دلالة على نفي الاجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام . وقد قيل في قوله تعالى : ( ولا تكن للخائنين خصيما ) : إنه جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم دفع عنهم ، وجائز أن يكون هم بالدفع عنهم ميلا منه إلى المسلمين دون اليهودي ، إذ لم يكن عنده أنهم غير محقين ، وإذا كان ظاهر الحال بوجود الدرع عند اليهودي فكان اليهودي أولى بالتهمة والمسلم أولى ببراءة الساحة ، فأمره الله تعالى بترك الميل إلى أحد الخصمين والدفع عنه وإن كان مسلما والآخر يهوديا ، فصار ذلك أصلا في أن الحاكم لا يكون له ميل إلى أحد الخصمين على الآخر وإن كان أحدهما ذا حرمة له والآخر على خلافه . وهذا يدل أيضا على أن وجود السرقة في يد انسان لا يوجب الحكم عليه بها ، لأن الله تعالى نهاه عن الحكم على اليهودي بوجود السرقة عنده ، إذ كان جاحدا أن يكون هو الآخذ . وليس ذلك مثل ما فعله يوسف عليه السلام حين جعل الصاع في رحل أخيه ثم أخذه بالصاع واحتبسه عنده ، لأنه إنما حكم عليهم بما كان عندهم أنه جائز ، وكانوا يسترقون السارق ، فاحتبسه عنده ، وكان له أن يتوصل إلى ذلك ولم يسترقه ، ولا قال إنه سرق ، وإنما قال ذلك رجل غيره ظنه سارقا . وقد نهى الله عن الحكم بالظن والهوى بقوله : ( اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) [ الحجرات : 12 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن فإنه أكذب الحديث " . وقوله : ( ولا تكن للخائنين خصيما ) ، وقوله : ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ) جائز أن يكون صادف ميلا من النبي صلى الله عليه وسلم على اليهودي بوجود الدرع المسروقة في داره ، وجائز أن يكون هم بذلك ، فأعلمه الله براءة ساحة اليهودي ونهاه عن مجادلته عن المسلمين الذين كانوا يجادلون عن السارق . وقد كانت هذه الطائفة شاهدة للخائن بالبراءة سائلة للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم بعذره في أصحابه وأن ينكر ذلك على من ادعى عليه ، فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أظهر معاونته لما ظهر من الطائفة من الشهادة ببراءته وأنه ليس ممن يتهم بمثله ، فأعلمه الله باطن أمورهم بقوله : ( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك ) بمسألتهم معونة هذا الخائن . وقد قيل إن هذه الطائفة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأعانوا الخائن كانوا مسلمين ولم يكونوا أيضا على يقين من أمر الخائن وسرقته ، ولكنه لم يكن لهم الحكم جائزا على اليهودي بالسرقة لأجل وجود الدرع في داره . فإن قيل : كيف يكون الحكم على ظاهر الحال ضلالا إذا كان في الباطن خلافه ، وإنما على الحاكم الحكم بالظاهر دون الباطن ؟ قيل له : لا يكون الحكم بظاهر الحال ضلالا وإنما الضلال إبراء الخائن من غير حقيقة علم ، فإنما اجتهدوا أن يضلوه عن هذا المعنى .