الجصاص
347
أحكام القرآن
بحديث الزهري عن عروة عن عائشة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء الآخرة حين يستوي الأفق ، وربما أخرها حتى يجتمع الناس " ، وهذا اللفظ يحتمل من المعنى ما احتمله قوله في الحديث الأول " حين اسود الأفق " . ومما يحتج به القائلون بالحمرة ما روى ثور بن يزيد عن سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة ، فقال : " صل معي " . فصلى في اليوم الأول لعشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق . قالوا : ومعلوم أنه لم يصلها قبل غيبوبة الحمرة ، فوجب أن يكون أراد البياض ، ولا تكون رواية من روى أنه صلاها بعد ما غاب الشفق معارضة لحديث جابر هذا ، من قبل أن معناه : بعد ما غاب الشفق الذي هو الحمرة ، إذا كان الاسم يقع عليهما جميعا ليتفق الحديثان ولا يتضادا ، ومن يجعل الشفق البياض يجعل خبر جابر منسوخا على نحو ما روي في خبر ابن عباس في المواقيت أنه صلى الظهر في اليوم الثاني وقت العصر بالأمس . ومما يحتج به القائلون بالحمرة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أول وقت المغرب إذا غربت الشمس وآخره غيبوبة الشفق " . وفي بعض أخبار عبد الله بن عمر : " إذا غابت الشمس فهو وقت المغرب إلى أن يغيب الشفق " . وفي لفظ آخر : " وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق " . قالوا : فالواجب حمله على أولهما وهو الحمرة ، ومن يقول بالبياض يجيب عن هذا بأن ظاهر ذلك يقتضي غيبوبة جميعه وهو بالبياض ، فيدل ذلك على اعتبار البياض دون الحمرة ، لأنه غير جائز أن يقال قد غاب الشفق إلا بعد غيبوبة جميعه ، كما لا يقال غابت الشمس إلا بعد غيبوبة جميعها دون بعضها . ولمن قال بالحمرة أن يقول : إن البياض والحمرة ليسا شفقا واحدا بل هما شفقتان ، فيتناول الاسم أولهما غيبوبة ، كما أن الفجر الأول والثاني هما فجران وليسا فجرا واحدا ، فيتناولهما إطلاق الاسم معا كذلك الشفق . ومما يحتج به للقائلين بالبياض ، حديث النعمان بن بشير : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء لسقوط القمر الليلة الثالثة " ، وظاهر ذلك يقتضي غيبوبة البياض . قال أبو بكر : وهذا لا يعتمد عليه ، لأن ذلك يختلف في الصيف والشتاء ولا يمتنع بقاء البياض بعد سقوط القمر في الليلة الثالثة ، وجائز أن يكون قد غاب قبل سقوطه .