الجصاص
339
أحكام القرآن
عروة ، فذكر فيه مقادير الفئ على نحو ما قدمنا . فحديث ابن مسعود يروى على هذين الوجهين ، فذكر في أحدهما أنه جاءه جبريل عليه السلام حين صار ظل كل شئ مثله فقال : قم فصل الظهر ، وفي اليوم الثاني جاءه حين صار ظل كل شئ مثليه فقال : قم فصل العصر . وحديث الزهري عن عروة لم يذكر فيه مقدار الفئ وذكر أنه صلى العصر في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة لم تدخلها صفرة . وقد رويت أخبار في تعجيل العصر قد يحتج بها من يقول بالمثل ، وفيها احتمال لما قالوه ولغيره ، فلا تثبت بمثلها حجة في إثبات المثل دون غيره ، إذ لا حجة في المحتمل ، منها حديث أنس : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى العوالي فيجدهم لم يصلوا العصر " ، قال الزهري : والعوالي على الميلين والثلاثة . وروى أبو واقد الليثي قال : حدثنا أبو أروى قال : " كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر بالمدينة ثم أمشي إلى ذي الحليفة قبل أن تغرب الشمس " . وفي حديث أسامة بن زيد عن الزهري عن عروة عن بشير بن أبي مسعود عن أبيه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس " . وروي عن عائشة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن يظهر الفئ " وفي لفظ آخر : " لم يفئ الفئ بعد " . وليس في هذه الأخبار ذكر تحديد الوقت ، وما ذكر من المضي إلى العوالي وذي الحليفة فليس يمكن الوقوف منه على مقدار معلوم من الوقت ، لأنه على قدر الإبطاء والسرعة في المشي . وقد كان شيخنا أبو الحسن رحمه الله تعالى يستدل بقوله صلى الله عليه وسلم : " أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم " على أن ما بعد المثل وقت للظهر ، لأن الإبراد لا يكون عند المثل بل أشد ما يكون الحر في الصيف عندما يصير ظل كل شئ مثله . ومن قال بالمثل يجيب عن ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهجير عند الزوال والفئ قليل في ذلك الوقت ، فكان منهم من يصلي في الشمس أو بالقرب منها ، وكذلك قال خباب : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا ، ثم قال : " أبردوا بالظهر " فأمرهم أن يصلوها بعدما يفئ الفئ ، فهذا هو الإبراد المأمور به عند من قال بالمثل . وأما ما حكي عن مالك أن وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس ، فإنه قول ترده الأخبار المروية في المواقيت ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في اليومين في حديث ابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي سعيد وأبي موسى وغيرهم في أول الوقت وآخره ، ثم قال : " ما بين هذين وقت " ، وفي حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر " ، وفي بعض ألفاظ حديث أبي هريرة : " وآخر وقت الظهر حين يدخل