الجصاص
333
أحكام القرآن
قال أبو بكر : قد انتظم ذلك إيجاب الفرض ومواقيته ، لأن قوله تعالى : ( كتابا ) معناه فرضا ، وقوله : ( موقوتا ) معناه أنه مفروض في أوقات معلومة معينة ، فأجمل ذكر الأوقات في هذه الآية وبينها في مواضع أخر من الكتاب من غير ذكر تحديد أوائلها وأواخرها ، وبين على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم تحديدها ومقاديرها . فمما ذكر الله في الكتاب من أوقات الصلاة قوله : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ) [ الاسراء : 78 ] ذكر مجاهد عن ابن عباس : ( لدلوك الشمس ) [ الإسراء : 78 ] قال : " إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر " ( إلى غسق الليل ) [ الإسراء : 78 ] قال : " بدو الليل لصلاة المغرب " . وكذلك روي عن ابن عمر في دلوكها أنه زوالها . وروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال : " إن دلوكها غروبها " ، وعن أبي عبد الرحمن السلمي نحوه . قال أبو بكر : لما تأولوا الآية على المعنيين من الزوال ومن الغروب دل على احتمالها لهما لولا ذلك لما تأوله السلف عليهما ، والدلوك في اللغة الميل ، فدلوك الشمس ميلها ، وقد تميل تارة للزوال وتارة للغروب ، وقد علمنا أن دلوكها هو أول الوقت وغسق الليل نهايته وغايته ، لأنه قال : ( إلى غسق الليل ) [ الإسراء : 78 ] و " إلى " غاية ، ومعلوم أن وقت الظهر لا يتصل بغسق الليل لأن بينهما وقت العصر ، فالأظهر أن يكون المراد بالدلوك ههنا هو الغروب وغسق الليل ههنا هو اجتماع الظلمة ، لأن وقت المغرب يتصل بغسق الليل ويكون نهاية له ، واحتمال الزوال مع ذلك قائم لأن ما بين زوال الشمس إلى غسق الليل وقت هذه الصلوات وهي الظهر والعصر والمغرب ، فيفيد ذلك أن من وقت الزوال إلى غسق الليل لا ينفك من أن يكون وقتا لصلاة ، فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب . ويحتمل أن يراد به العتمة أيضا ، لأن الغاية قد تدخل في الحكم كقوله تعالى : ( وأيديكم إلى المرافق ) [ المائدة : 6 ] والمرافق داخلة فيها ، وقوله : ( حتى تغتسلوا ) [ النساء : 43 ] والغسل داخل في شرط الإباحة ، فإن حمل المعنى على الزوال انتظم أربع صلوات . ثم قال : ( وقرآن الفجر ) [ الإسراء : 78 ] وهو صلاة الفجر ، فتنتظم الآية الصلوات الخمس ، وهذا معنى ظاهر قد دل عليه إفراده صلاة الفجر بالذكر ، إذ كان بينها وبين صلاة الظهر وقت ليس من أوقات الصلوات المفروضة ، فأبان تعالى أن من وقت الزوال إلى وقت العتمة وقتا لصلوات مفعولة فيه ، وأفرد الفجر بالذكر إذ كان بينها وبين الظهر فاصلة وقت ليس من أوقات الصلوات . فهذه الآية يحتمل أن يريد بها بيان وقت صلاتين إذا كان المراد بالدلوك الغروب وهو وقت المغرب والفجر بقوله تعالى : ( وقرآن الفجر ) [ الإسراء : 78 ] ، ويحتمل أن يريد بها الصلوات الخمس