الجصاص

328

أحكام القرآن

الترجيع في الأذان وفي تثنية الإقامة وتكبيرات العيدين والتشريق ونحو ذلك مما الكلام فيه بين الفقهاء في الأفضل ، فمن ذهب إلى وجه منها فغير معنف عليه في اختياره ، وكان الأولى عندنا ما وافق ظاهر الآية والأصول . وفي حديث جابر وأبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بكل طائفة ركعتين ، فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد كان مقيما حين صلاها كذلك ، ويكون قولهما " إنه سلم في الركعتين " المراد به تسليم التشهد ، وذلك لأن ظاهر الكتاب ينفيه على الوجه الذي يقتضيه ظاهر الخبر ، لأن الله تعالى قال : ( فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ) وظاهر الخبر يوجب أن يكونوا مصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد السجود على الحال التي كانوا عليها قبله . فإن قيل : كيف يكون مقيما في البادية وهي ذات الرقاع وليست موضع إقامة ولا هي بالقرب من المدينة ؟ قيل له : جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة لم ينو سفر ثلاث وإنما نوى في كل موضع يبلغ إليه سفر يوم أو يومين ، فيكون مقيما عندنا ، إذ لم ينشئ سفر ثلاث وإن كان في البادية ، ويحتمل أن يكون فعلها في الوقت الذي يعاد الفرض فيه ، وذلك منسوخ عندنا ، وعلى أنه لو كان كذلك لم تكن صلاة خوف وإنما هي صلاة على هيئة سائر الصلوات ، ولا خلاف أن صلاة الخوف مخالفة لسائر الصلوات المفعولة في حال الأمن . وأما القول الذي روي عن أبي يوسف في أنه لا تصلى بعد النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف وأنه ينبغي أن تصلى عند الخوف بإمامين ، فإنه ذهب فيه إلى ظاهر قول الله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) فخص هذه الصلاة بكون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ، وأباح لهم فعلها معه على هذا الوجه ليدركوا فضيلة الصلاة خلفه التي مثلها لا يوجد في الصلاة خلف غيره ، فغير جائز بعده لأحد أن يصليها إلا بإمامين ، لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف الأول ، فلا يحتاج إلى مشي واختلاف واستدبار القبلة مما هو مناف للصلاة . قال أبو بكر : فأما تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب بها بقوله : ( وإذا كنت فيهم ) فليس بموجب بالاقتصار عليه بهذا الحكم دون غيره ، لأن الذي قال : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) هو الذي قال : ( فاتبعوه ) [ سبأ : 20 ] ، فإذا وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل فعلا فعلينا اتباعه فيه على الوجه الذي فعله ، ألا ترى أن قوله : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ) [ التوبة : 103 ] لم يوجب كون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا به دون غيره من الأئمة بعده ؟ وكذلك قوله : ( إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) [ الممتحنة : 12 ] وكذلك قوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) [ المائدة : 49 ] وقوله : ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم )