الجصاص
271
أحكام القرآن
يتعبدون به من أحكام الشرع فيما يباح ويحظر وما يجوز وما لا يجوز ، ذلك كله من الأمن والخوف ، فإذا ليس في ذكره الأمن والخوف دلالة على وجوب الاقتصار به على ما يتفق من الأراجيف بالأمن والخوف في أمر العدو ، بل جائز أن يكون عاما في الجميع ، وحظر به على العامي أن يقول في شئ من حوادث الأحكام ما فيه حظر أو إباحة أو إيجاب أو غير ذلك ، وألزمهم رده إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ليستنبطوا حكمه بالاستدلال عليه بنظائره من المنصوص . وأيضا فلو سلمنا لك أن نزول الآية مقصور على الأمن والخوف من العدو لكانت دلالته قائمة على ما ذكرنا ، لأنه إذا جاز استنباط تدبير الجهاد ومكايد العدو بأخذ الحذر تارة والإقدام في حال والإحجام في حال أخرى ، وكان جميع ذلك مما تعبدنا الله به ووكل الأمر فيه إلى آراء أولي الأمر واجتهادهم ، فقد ثبت وجوب الاجتهاد في أحكام الحوادث من تدبير الحروب ومكايد العدو وقتال الكفار ، فلا فرق بينه وبين الاجتهاد والاستدلال على النظائر من سائر الحوادث من العبادات وفروع الشريعة ، إذ كان جميع ذلك من أحكام الله تعالى ، ويكون المانع من الاجتهاد والاستنباط في مثله كمن أباح الاستنباط في البيوع خاصة ومنعه في المناكحات أو أباحه في الصلاة ومنعه في المناسك ، وهذا خلف من القول . فإن قيل : ليس الاستنباط مقصورا على القياس واجتهاد الرأي دون الاستدلال بالدليل الذي لا يحتمل في اللغة إلا معنى واحدا . قيل له : الدليل الذي لا يحتمل في اللغة إلا معنى واحدا لا يقع بين أهل اللغة فيه تنازع ، إذ كان أمرا معقولا في اللفظ ، فهذا ليس باستنباط بل هو في مفهوم الخطاب ، وذلك عندنا نحو قوله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) [ الإسراء : 23 ] أنه لا دلالة على النهي عن الضرب والشتم والقتل ونحوه ، وهذا لا يقع في مثله خلاف ، فإن أردت بالدليل الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا هذا الضرب من دلائل الخطاب فإن هذا لا تنازع فيه ولا يحتاج فيه إلى استنباط ، وإن أردت بالدليل تخصيص الشئ بالذكر فيكون دلالة على أن ما عداه فحكمه بخلافه ، فإن هذا ليس بدليل ، وقد بيناه في أصول الفقه ، ولو كان هذا ضربا من الدليل لما أغفلته الصحابة ولا استدلت به على أحكام الحوادث ، ولو فعلوا هذا لاستفاض ذلك عنهم وظهر ، فلما لم ينقل ذلك عنهم دل على سقوط قولك . وأيضا لو كان هذا ضربا من الاستدلال لم يمنع ذلك إيجاب الاستنباط فيما لا طريق إليه إلا من جهة الرأي والقياس ، إذ ليس يوجد في كل حادثة هذا الضرب من الدلالة ، وقد أمرنا باستنباط سائر ما لا نص فيه فما لم نجد فيه من الحوادث هذا الضرب من الدليل ، فعلينا استنباط حكمه من طريق القياس والاجتهاد إذ لا سبيل لنا إليه إلا من هذه الجهة .