الجصاص

264

أحكام القرآن

باب في طاعة أولي الأمر قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) . قال أبو بكر : اختلف في تأويل أولي الأمر ، فروي عن جابر بن عبد الله وابن عباس رواية والحسن وعطاء ومجاهد : " أنهم أولو الفقه والعلم " ، وعن ابن عباس رواية وأبي هريرة : " أنهم أمراء السرايا " . ويجوز أن يكونوا جميعا مرادين بالآية ، لأن الاسم يتناولهم جميعا ، لأن الأمراء يلون أمر تدبير الجيوش والسرايا وقتال العدو ، والعلماء يلون حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز ، فأمر الناس بطاعتهم والقبول منهم ما عدل الأمراء والحكام وكان العلماء عدولا مرضيين موثوقا بدينهم وأمانتهم فيما يؤدون ، وهو نظير قوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) [ الأنبياء : 7 ] . ومن الناس من يقول : إن الأظهر من أولي الأمر ههنا أنهم الأمراء ، لأنه قدم ذكر الأمر بالعدل ، وهذا خطاب لمن يملك تنفيذ الأحكام وهم الأمراء والقضاة ، ثم عطف عليه الأمر بطاعة أولي الأمر وهم ولاة الأمر الذين يحكمون عليهم ما داموا عدولا مرضيين . وليس يمتنع أن يكون ذلك أمرا بطاعة الفريقين من أولي الأمر وهم أمراء السرايا والعلماء ، إذ ليس في تقدم الأمر بالحكم بالعدل ما يوجب الاقتصار بالأمر بطاعة أولي الأمر على الأمراء دون غيرهم . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أطاع أميري فقد أطاعني " . وروى الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى فقال : " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها ، فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن : إخلاص العمل لله تعالى " وقال بعضهم : " وطاعة ذوي الأمر " وقال بعضهم : " والنصيحة لأولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم " . والأظهر من هذا الحديث أنه أراد بأولي الأمر الأمراء . وقوله تعالى عقيب ذلك : ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) يدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء ، لأنه أمر سائر الناس بطاعتهم ثم قال : ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) ، فأمر أولي الأمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، إذ كانت العامة ومن ليس من أهل العلم ليست هذه منزلتهم ، لأنهم لا يعرفون كيفية الرد إلى كتاب الله والسنة ووجوه دلائلهما على أحكام الحوادث ، فثبت أنه خطاب للعلماء .