الجصاص

256

أحكام القرآن

إليهم بعد فقال : " وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " وهذا الخبر يدل من وجهين على ما ذكرنا أحدهما قوله : " لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " ولم يفرق فيه بين الاجتياز وبين القعود ، فهو عليهما سواء . والثاني : أنه أمرهم بتوجيه البيوت الشارعة لئلا يجتازوا في المسجد إذا أصابتهم جنابة ، لأنه لو أراد القعود لم يكن لقوله : " وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب " معنى ، لأن القعود منهم بعد دخول المسجد لا تعلق له بكون البيوت شارعة إليه ، فدل على أنه إنما أمر بتوجيه البيوت لئلا يضطروا عند الجنابة إلى الاجتياز في المسجد ، إذ لم يكن لبيوتهم أبواب غير ما هي شارعة إلى المسجد . وقد روى سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن المطلب : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه وهو جنب ، إلا علي بن أبي طالب فإنه كان يدخله جنبا ويمر فيه ، لأن بيته كان في المسجد " ، فأخبر في هذا الحديث بحظر النبي صلى الله عليه وسلم الاجتياز كما حظر عليهم القعود . مطلب : فيما ورد من بعض الخصوصيات لبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم وما ذكر من خصوصية علي رضي الله عنه فهو صحيح ، وقول الراوي : " لأنه كان بيته في المسجد ، ظن منه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر في الحديث الأول بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره ولم يبح لهم المرور لأجل كون بيوتهم في المسجد ، وإنما كانت الخصوصية فيه لعلي رضي الله عنه دون غيره ، كما خص جعفر بأن له جناحين في الجنة دون سائر الشهداء ، وكما خص حنظلة بغسل الملائكة له حين قتل جنبا ، وخص دحية الكلبي بأن جبريل كان ينزل على صورته ، وخص الزبير بإباحة لبس الحرير لما شكا من أذى القمل ، فثبت بذلك أن سائر الناس ممنوعون من دخول المسجد مجتازين وغير مجتازين . وأما ما روى جابر : " كان أحدنا يمر في المسجد مجتازا وهو جنب " فلا حجة فيه ، لأنه لم يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره عليه ، وكذلك ما روي عن عطاء بن يسار : " كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصيبهم الجنابة فيتوضؤون ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه " لا دلالة فيه للمخالف ، لأنه ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم عليه بعد علمه بذلك منهم ، ولأنه جائز أن يكون ذلك في زمان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحظر عليهم ذلك ، ولو ثبت جميع ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم روي ما وصفنا لكان خبر الحضر أولى لأنه طارئ على الإباحة لا محالة فهو متأخر عنها ، ولما ثبت باتفاق الفقهاء حظر القعود فيه لأجل الجنابة تعظيما لحرمة المسجد وجب أن يكون كذلك حكم الاجتياز تعظيما للمسجد ، ولأن العلة في حظر القعود فيه هو الكون فيه جنبا وذلك موجود في الاجتياز ،