الجصاص
25
أحكام القرآن
كان أميا لا يقرأ الكتاب ولم يجالس أهل الكتاب ، فلم يعرف سرائر كتب الأنبياء المتقدمين إلا بإعلام الله إياه . وهذا الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه صار محظورا عليه وعلى بني إسرائيل ، يدل عليه قوله تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) فاستثنى ذلك مما أحله تعالى لبني إسرائيل ثم حظره إسرائيل على نفسه ، فدل على أنه صار محظورا عليه وعليهم . فإن قيل : كيف يجوز للإنسان أن يحرم على نفسه شيئا وهو لا يعلم موقع المصلحة في الحظر والإباحة ، إذ كان علم المصالح في العبادات لله تعالى وحده . قيل : هذا جائز بأن يأذن الله له فيه ، كما يجوز الاجتهاد في الأحكام بإذن الله تعالى فيكون ما يؤدي إليه الاجتهاد حكما لله تعالى . وأيضا فجائز للإنسان أن يحرم امرأته على نفسه بالطلاق ويحرم جاريته بالعتق ، فكذلك جائز أن يأذن الله له في تحريم الطعام ، إما من جهة النص أو الاجتهاد . وما حرمه إسرائيل على نفسه لا يخلو من أن يكون تحريمه صدر عن اجتهاد منه في ذلك أو توقيفا من الله له في إباحة التحريم له إن شاء ، وظاهر الآية يدل على أن تحريمه صدر عن اجتهاد منه في ذلك لإضافة الله تعالى التحريم إليه ، ولو كان ذلك عن توقيف لقال : " إلا ما حرم الله على بني إسرائيل " فلما أضاف التحريم إليه دل ذلك على أنه قد كان جعل إليه إيجاب التحريم من طريق الاجتهاد . وهذا يدل على أنه جائز أن يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الأحكام كما جاز لغيره ، والنبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك لفضل رأيه وعلمه بوجوه المقاييس واجتهاد الرأي ، وقد بينا ذلك في أصول الفقه . قال أبو بكر : قد دلت الآية على أن تحريم إسرائيل لما حرمه من الطعام على نفسه قد كان واقعا ولم يكن موجب لفظه شيئا غير التحريم ، وهذا المعنى هو منسوخ بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم مارية على نفسه ، وقيل إنه حرم العسل ، فلم يحرمهما الله تعالى عليه وجعل موجب لفظه كفارة يمين بقوله تعالى : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك [ التحريم : 1 ] إلى قوله تعالى : ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [ التحريم : 2 ] ، فجعل في التحريم كفارة يمين إذا استباح ما حرم بمنزلة الحلف أن لا يستبيحه . وكذلك قال أصحابنا فيمن حرم على نفسه جارية أو شيئا من ملكه أنه لا يحرم عليه وله أن يستبيحه بعد التحريم وتلزمه كفارة يمين ، بمنزلة من حلف أن لا يأكل هذا الطعام ، إلا أنهم خالفوا بينه وبين اليمين من وجه ، وهو أن القائل : " والله لا أكلت هذا الطعام " لا يحنث إلا بأكل جميعه ، ولو قال : " قد حرمت هذا الطعام على نفسي " حنث بأكل جزء منه ، لأن الحالف لما حلف عليه بلفظ التحريم فقد قصد إلى