الجصاص
248
أحكام القرآن
" الجار أحق بصقبه ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا " . فهذان الخبران قد رويا عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وغير جائز أن نجعلهما متعارضين مع إمكان استعمالهما جميعا ، وقد يمكننا استعمالهما على الوجه الذي ذكرنا ، ومخالفونا يجعلونهما متعارضين ويسقطون أحدهما بالآخر . مطلب : إذا خرج الكلام على سبب فلا مفهوم له عند الفقهاء وأيضا جائز أن يكون ذلك كلاما خرج على سبب ، فنقل الراوي لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وترك نقل السبب ، نحو أن يختصم إليه رجلان أحدهما جار والآخر شريك ، فيحكم بالشفعة للشريك دون الجار ، وقال : فإذا وقعت الحدود فلا شفعة لصاحب النصيب المقسوم مع الجار ، كما روى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا ربا إلا في النسيئة " وهو عند سائر الفقهاء كلام خارج على سبب اقتصر فيه راويه على نقل قول النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر السبب ، وهو أن يكون سئل عن النوعين المختلفين من الذهب والفضة إذا بيع أحدهما بالآخر ، فقال صلى الله عليه وسلم : " لا ربا إلا في النسيئة " يعني فيما سئل عنه ، كذلك ما ذكرنا . وأيضا لو تساوت أخبار إيجاب الشفعة بالجوار وأخبار نفيها ، لكانت أخبار الإيجاب أولى من أخبار النفي ، لأن الأصل أنها غير واجبة حتى يرد الشرع بإيجابها ، فخبر نفي الشفعة وارد على الأصل وخبر إثباتها ناقل عنه وارد بعده فهو أولى . فإن قيل : يحتمل أن يريد بالجار الشريك . قيل له : هذه الأخبار التي رويناها أكثرها ينفي هذا التأويل ، لأن فيها أن جار الدار أحق بشفعة داره ، والشريك لا يسمى جار الدار ، وحديث جابر قال فيه : " ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا " وغير جائز أن يكون هذا في الشريك في المبيع . وأيضا فإن الشريك لا يسمى جارا ، لأنه لو استحق اسم الجوار بالشركة لوجب أن يكون كل شريكين في شئ جارين ، كالشريكين في عبد واحد ودابة واحدة ، فلما لم يستحق اسم الجار بالشركة في هذه الأشياء دل ذلك على أن الشريك لا يسمى جارا ، وإنما الجار هو الذي ينفرد حقه ونصيبه من حق الشريك ويتميز ملك كل واحد عن ملك صاحبه . وأيضا فإن الشركة إنما تستحق بها الشفعة لأنها تقتضي حصول الجوار بالقسمة ، والدليل عليه أن الشركة في سائر الأشياء لا توجب الشفعة لعدم حصول الجوار بها عند القسمة ، فدل ذلك على أن الشركة في العقار إنما تستحق بها الشفعة لما يتعلق بها من الجوار عند القسمة ، وإن كان الشريك أحق من الجار