الجصاص

239

أحكام القرآن

يتولى النظر في ذلك والفصل بينهما بما يوجبه حكم الله ، فإذا اختلفا وادعى النشوز وادعت هي عليه ظلمه وتقصيره في حقوقها ، حينئذ بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها ليتوليا النظر فيما بينهما ويردا إلى الحاكم ما يقفان عليه من أمرهما . وإنما أمر الله تعالى بأن يكون أحد الحكمين من أهلها والآخر من أهله لئلا تسبق الظنة إذا كانا أجنبيين بالميل إلى أحدهما ، فإذا كان أحدهما من قبله والآخر من قبلها زالت الظنة وتكلم كل واحد منهما عمن هو من قبله . ويدل أيضا قوله : ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) على أن الذي من أهله وكيل له ، والذي من أهلها وكيل لها ، كأنه قال : فابعثوا رجلا من قبله ورجلا من قبلها ، فهذا يدل على بطلان قول من يقول إن للحكمين أن يجمعا إن شاءا وإن شاءا فرقا بغير أمرهما . وزعم إسماعيل بن إسحاق أنه حكى عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم لم يعرفوا أمر الحكمين . قال أبو بكر : هذا تكذب عليهم ، وما أولى بالإنسان حفظ لسانه لا سيما فيما يحكيه عن العلماء ، قال الله تعالى : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [ ق : 18 ] ، ومن علم أنه مؤاخذ بكلامه قل كلامه فيما لا يعنيه . وأمر الحكمين في الشقاق بين الزوجين منصوص عليه في الكتاب ، فكيف يجوز أن يخفى عليهم مع محلهم من العلم والدين والشريعة ! ولكن عندهم أن الحكمين ينبغي أن يكونا وكيلين لهما ، أحدهما وكيل المرأة والآخر وكيل الزوج ، وكذا روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وروى ابن عيينة عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال : أتى عليا رجل وامرأته مع كل واحد منهما فئام من الناس ، فقال علي : ما شأن هذين ؟ قالوا : بينهما شقاق ، قال : ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) ، فقال علي : هل تدريان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا . فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله ، فقال الرجل : أما الفرقة فلا ، فقال علي : كذبت والله ! لا تنفلت مني حتى تقر كما أقرت . فأخبر علي أن قول الحكمين إنما يكون برضا الزوجين . فقال أصحابنا : ليس للحكمين أن يفرقا إلا أن يرضى الزوج ، وذلك لأنه لا خلاف أن الزوج لو أقر بالإساءة إليها لم يفرق بينهما ولم يجبره الحاكم على طلاقها قبل تحكيم الحكمين ، وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز لم يجبرها الحاكم على خلع ولا على رد مهرها ، فإذا كان كذلك حكمهما قبل بعث الحكمين فكذلك بعد بعثهما لا يجوز إيقاع الطلاق من جهتهما من غير رضى الزوج وتوكيله ولا اخراج المهر عن ملكها من غير رضاها ، فلذلك قال أصحابنا : إنهما لا يجوز خلعهما إلا برضى الزوجين ، فقال أصحابنا : ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضى الزوجين ، لأن الحاكم لا يملك ذلك فكيف