الجصاص

234

أحكام القرآن

وجب ميراثهم بقضية الآية ، إذ كانت إنما نقلت ما كان لهم إلى ذوي الأرحام إذا وجدوا ، فإذا لم يوجدوا فليس في القرآن ولا في السنة ما يوجب نسخها ، فهي ثابتة الحكم مستعملة على ما نقتضيه من إثبات الميراث عند فقد ذوي الأرحام . وقد ورد الأشر عن النبي صلى الله عليه وسلم بثبوت هذا الحكم وبقائه عند عدم ذوي الأرحام ، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا يزيد بن خالد الرملي وهشام بن عمار الدمشقي قالا : حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمر قال : سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري أنه قال : يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين ؟ قال : " هو أولى الناس بمحياه ومماته " ، فقوله : " هو أولى الناس بمماته " يقتضي أن يكون أولاهم بميراثه ، إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث ، وهو في معنى قوله تعالى : ( ولكل جعلنا موالي ) يعني ورثة . وقد روي نحو قول أصحابنا في ذلك عن عمر وابن مسعود والحسن وإبراهيم . وروى معمر عن الزهري أنه سئل عن رجل أسلم فوالى رجلا هل بذلك بأس ؟ قال : لا بأس به ، قد أجاز ذلك عمر بن الخطاب . وروى قتادة عن سعيد بن المسيب قال : " من أسلم على يدي قوم ضمنوا جرائره وحل لهم ميراثه " . وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن : " إذا أسلم الكافر على يدي رجل مسلم بأرض العدو أو بأرض المسلمين فميراثه للذي أسلم على يديه " . وقد روى أبو عاصم النبيل عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال : كتب النبي صلى الله عليه وسلم : " على كل بطن عقوله " وقال : " لا يتولى مولى قوم إلا بإذنهم " ، وقد حوى هذا الخبر معنيين : أحدهما جواز الموالاة لأنه قال : " إلا بإذنهم " فأجاز الموالاة بإذنهم . والثاني : أن له أن يتحول بولاية إلى غيره ، إلا أنه كرهه إلا بإذن الأولين ، ولا يجوز أن يكون مراده عليه السلام في ذلك إلا في ولاء الموالاة ، لأنه لا خلاف أن ولاء العتاقة لا يصح النقل عنه ، وقال صلى الله عليه وسلم : " الولاء لحمة كلحمة النسب " . فإن احتج محتج بما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال : حدثنا محمد بن بشر وابن نمير وأبو أسامة عن زكريا عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حلف في الاسلام ، وإنما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة " ، قال : فهذا يوجب بطلان حلف الاسلام ومنع التوارث به . قيل له : يحتمل أن يريد به نفي الحلف في الاسلام على الوجه الذي كانوا يتحالفون عليه في الجاهلية ، وذلك لأن حلف الجاهلية كان على أن يعاقده فيقول : " هدمي هدمك ودمي دمك وترثني وأرثك " وكان في هذا