الجصاص

230

أحكام القرآن

الآخر لفعل ، ولأنه لا يمنع من بخل ولا عدم وإنما يمنع ليعطي ما هو أكثر منه . وقد تضمن ذلك النهي عن الحسد وهو تمني زوال النعمة عن غيره إليه ، وهو مثل ما روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها فإن الله هو رازقها " ، فنهى صلى الله عليه وسلم أن يخطب على خطبة أخيه إذا كانت قد ركنت إليه ورضيت به ، وأن يسوم على سومه كذلك ، فما ظنك بمن يتمنى أن يجعل له ما قد صار لغيره وملكه ! وقال : " لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها " ، يعني أن تسعى في اسقاط حقها وتحصيله لنفسها . وروى سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل والنهار ، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار " . مطلب : التمني على وجهين محظور وغير محظور قال أبو بكر : والتمني على وجهين ، أحدهما : أن يتمنى الرجل أن تزول نعمة غيره عنه ، فهذا الحسد وهو التمني المنهي عنه . والآخر : أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يريد زوال النعمة عن غيره ، فهذا غير محظور إذا قصد به وجه المصلحة ، وما يجوز في الحكمة . ومن التمني المنهي عنه أن يتمنى ما يستحيل وقوعه ، مثل أن تتمنى المرأة أن تكون رجلا أو تتمنى حال الخلافة والإمامة ونحوها من الأمور التي قد علم أنها لا تكون ولا تقع . وقوله تعالى : ( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) قيل فيه وجوه ، أحدها : أن لكل واحد حظا من الثواب قد عرض له بحسن التدبير في أمره ولطف له فيه حتى استحقه وبلغ علو المنزلة به ، فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير ، فإن لكل منهم حظه ونصيبه غير مبخوس ولا منقوص . والآخر : إن لكل أحد جزاء ما اكتسب فلا يضيعه بتمني ما لغيره محبطا لعمله . وقيل فيه : إن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب من نعم الدنيا ، فعليه أن يرضى بما قسم الله له . وقوله تعالى : ( واسألوا الله من فضله قيل فيه : إن معناه إن احتجتم إلى ما لغيركم فسلوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله ، لا بأن تتمنوا ما لغيركم ، إلا أن هذه المسألة تعني إن تكن معقودة بشريطة المصلحة ، والله تعالى أعلم بالصواب . باب العصبة قال الله تعالى : ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ) . قال ابن عباس