الجصاص
226
أحكام القرآن
لقربه من الذبح وإن لم يذبح ، وقال تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) [ الطلاق : 2 ] والمعنى فيه مقاربة البلوغ ، ألا ترى أنه قال في آية أخرى : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ) [ البقرة : 232 ] وأراد به حقيقة البلوغ ؟ فجائز على هذا أن يسمى المتساومان متبايعين إذا قصدا إيقاع العقد على النحو الذي بينا ، والذي لا يختل على أحد أنهما بعد وقوع البيع منهما لا يسميان متبايعين على الحقيقة كسائر الأفعال إذا انقضت زال عن فاعليها الأسماء المشتقة لها من أفعالهم ، إلا في أسماء المدح والذم على ما بينا في صدر هذا الكتاب ، وإنما يقال كانا متبايعين وكانا متقايلين وكانا متضاربين . ويدل على أن هذا الاسم ليس بحقيقة لهما بعد إيقاع العقد أنه قد يصح منهما الإقالة والفسخ بعد العقد وهما في الحقيقة متقايلان في حال فعل الإقالة ، وغير جائز أن يكونا متقابلين متفاسخين ومتبايعين في حال واحدة ، فدل ذلك على أن إطلاق اسم المتبايعين عليهما إنما يتناول حال السوم وإيقاع العقد حقيقة ، وأن هذا الاسم إنما يلحقهما بعد انقضاء العقد على معنى أنهما كانا متبايعين وذلك مجاز ، وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على الحقيقة وهي حال التبايع ، وهو أن يقول : " قد بعتك " فأطلق اسم البيع من قبل نفسه قبل قبول الآخر ، فهذه هي الحال التي هما متبايعان فيها وهي حال ثبوت الخيار لكل واحد منهما فللبائع الخيار في الفسخ قبل قبول الآخر وللمشتري الخيار في القبول قبل الافتراق . ويدلك على أن المراد هذه الحال قوله : " المتبايعان " وإنما البائع أحدهما وهو صاحب السلعة ، فكأنه قال : إذا قال البائع قد بعت فهما بالخيار قبل الافتراق ، لأنه معلوم أن المشتري ليس ببائع ، فثبت أن المراد : إذا باع البائع قبل قبول المشتري . وقد اختلف الفقهاء في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم : " المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا " فروي عن محمد بن الحسن أن معناه : إذا قال البائع قد بعتك فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قبلت ، قال : وهو قول أبي حنيفة . وعن أبي يوسف : " هما المتساومان ، فإذا قال بعتك بعشرة فللمشتري خيار القبول في المجلس وللبائع خيار الرجوع فيه قبل قبول المشتري ، ومتى قام أحدهما قبل قبول البيع بطل الخيار الذي كان لهما ولم تكن لواحد منهما إجازته " ، فحمله محمد على الافتراق بالقول وذلك سائغ ، قال الله تعالى : ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) [ البينة : 4 ] ، ويقال : تشاور القوم في كذا فافترقوا عن كذا ، يراد به الاجتماع على قول والرضى به وإن كانوا مجتمعين في المجلس . ويدل على أن المراد الافتراق بالقول ، ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال :