الجصاص

223

أحكام القرآن

الخيار فكل واحد منهما راض بتمليك ما عقد عليه لصاحبه ، فلا معنى لإثبات الخيار فيه مع وجود الرضى به ، ووجود الرضى مانع من الخيار ، ألا ترى أنه لا خلاف بين المثبتين لخيار المجلس أنه إذا قال لصاحبه " اختر " فاختاره ورضي به أن ذلك مبطل لخيارهما ؟ وليس في ذلك أكثر من رضاهما بإمضاء البيع ، والرضى موجود منهما بنفس المعاقدة ، فلا يحتاجان إلى رضى ثان ، لأنه لو جاز أن يشترط بعد رضاهما به بديا بالعقد رضى آخر لجاز أن يشترط رضى ثان وثالث ، وكان لا يمنع رضاهما به من إثبات خيار ثالث ورابع ، فلما بطل هذا صح أن رضاهما بالبيع هو إبطال للخيار وإتمام للبيع . وإنما صح خيار الشرط في البيع لأنه لم يوجد من المشروط له الخيار رضى باخراج شيئه من ملكه حين شرط لنفسه الخيار ، ومن أجل ذلك جاز إثبات الخيار فيه . فإن قيل : فأنت قد أثبت خيار الرؤية وخيار العيب مع وجود الرضى بالبيع ، ولم يمنع رضاهما من إثبات الخيار على هذا الوجه ، فكذلك لا يمنع رضاهما به من إثبات خيار المجلس . قيل له : ليس خيار الرؤية وخيار العيب من خيار المجلس في شئ ، وذلك لأن خيار الرؤية لا يمنع وقوع الملك لكل واحد منهما فيما عقد صاحبه من جهته لوجود الرضى من كل واحد منهما به ، فليس لهذا الخيار تأثير في نفي الملك ، بل الملك واقع مع وجود الخيار لأجل وجود الرضى من كل واحد منهما به ، وخيار المجلس على قول القائلين به مانع من وقوع الملك لكل واحد منهما فيما ملكه إياه صاحبه مع وجود الرضى من كل واحد منهما بتمليكه إياه ، ولا فرق بين الرضى به بديا بإيجابه له العقد وبينه إذا قال : " قد رضيت فاختر " ورضي به صاحبه ، فلا فرق بين البيع فيما فيه خيار الرؤية وخيار العيب وبين ما ليس فيه واحد من الخيارين في باب وقوع الملك به ، وإنما يختلفان بعد ذلك في خيار غير ناف للملك ، وإنما هو لأجل جهالة صفات المبيع عنده أو لفوت جزء منه موجب له بالعقد . ويدل على أن الرضى بالعقد هو الموجب للملك اتفاق الجميع على وقوع الملك لكل واحد منهما بعد الافتراق وبطلان الخيار به ، وقد علمنا أنه ليس في الفرقة دلالة على الرضى ولا على نفيه ، لأن حكم الفرقة والبقاء في المجلس سواء في نفي دلالته على الرضى ، فعلمنا أن الملك إنما وقع بالرضى بديا بالعقد لا بالفرقة . وأيضا فإنه ليس في الأصول فرقة يتعلق بها تمليك وتصحيح العقد ، بل في الأصول أن الفرقة إنما تؤثر في فسخ كثير من العقود ، من ذلك الفرقة عن عقد الصرف قبل القبض وعن السلم قبل القبض لرأس المال وعن الدين بالدين قبل تعيين أحدهما : فلما وجدنا الفرقة في الأصول في كثير من العقود إنما تأثيرها في إبطال العقد دون جوازه ولم تجد في الأصول فرقة