الجصاص
209
أحكام القرآن
في العبد . وأيضا فقد قال : " أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر " ولم يذكر الوطء ، ولا خلاف أنه لا يكون عاهرا بالتزوج ، فدل أن إطلاقه ذلك كان على وجه المجاز تشبيها له بالعاهر . وقوله تعالى : ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) يدل على أن للمرأة أن تزوج أمتها ، لأن قوله : ( أهلهن ) المراد به الموالي ، لأنه لا خلاف أنه لا يجوز لها أن تتزوج بغير إذن مولاها ، وأنه لا اعتبار بإذن غير المولى إذا كان المولى بالغا عاقلا جائز التصرف في ماله . وقال الشافعي : " لا يجوز للمرأة أن تزوج أمتها وإنما توكل غيرها بالتزويج " ، وهو قول يرده ظاهر الكتاب ، لأن الله تعالى لم يفرق بين عقدها التزويج وبين عقد غيرها بإذنها . ويدل على أنها إذا أذنت لامرأة أخرى في تزويجها أنه جائز لأنها تكون منكوحة بإذنها ، وظاهر الآية مقتض لجواز نكاحها بإذن مولاها ، فإذا وكل مولاها أو مولاتها امرأة بتزويجها وجب أن يجوز ذلك ، لأن ظاهر الآية قد أجازه ، ومن منع ذلك فإنما خص الآية بغير دلالة . وأيضا فإن كانت هي لا تملك عقد النكاح عليها فغير جائز توكيلها غيرها به ، لأن توكيل الانسان إنما يجوز فيما يملكه فأما ما لا يملكه فغير جائز توكيل غيره به في العقود التي تتعلق أحكامها بالموكل دون الوكيل ، وقد يصح عندنا توكيل من لا يصح عقده إذا عقد في العقود التي تتعلق أحكامها بالوكيل دون الموكل وهي عقود البياعات والإجارات ، فأما عقد النكاح إذا وكل به فإنما يتعلق حكمه بالموكل دون الوكيل ، ألا ترى أن الوكيل بالنكاح لا يلزمه المهر ولا تسليمه البضع ؟ فلو لم تكن المرأة مالكة لعقد النكاح لما صح توكيلها به لغيرها إذ كانت أحكام العقود غير متعلقة بالوكيل ، فلما صح توكيلها به مع تعلق أحكامه بها دون الوكيل دل على أنها تملك العقد . وهذا أيضا دليل على أن الحرة تملك عقد النكاح على نفسها كما جاز وتوكيلها على غيرها به وهو وليها . وقوله تعالى : ( وآتوهن أجورهن بالمعروف ) يدل على وجوب مهرها إذا نكحها سمى لها مهرا أو لم يسم ، لأنه لم يفرق بين من سمى وبين من لم يسم في إيجابه المهر . ويدل على أنه قد أريد به مهر المثل قوله تعالى : ( بالمعروف ) ، وهذا إنما يطلق فيما كان مبنيا على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد والمتعارف كقوله تعالى : ( وعلي المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) [ البقرة : 233 ] . وقوله تعالى : ( وآتوهن أجورهن ) يقتضي ظاهره وجوب دفع المهر إليها ، والمهر واجب للمولى دونها ، لأن المولى هو المالك للوطء الذي أباحه للزوج بعقد النكاح فهو المستحق لبدله ، كما لو آجرها للخدمة كان المولى هو المستحق للأجرة دونها ، كذلك المهر ، ومع ذلك فإن الأمة لا تملك شيئا فلا تستحق قبض المهر . ومعنى الآية على أحد