الجصاص

201

أحكام القرآن

كالقدرة على تزويج البنت لا يحرم تزويج الأم ، والقدرة على نكاح المرأة لا يحرم نكاح أختها ، فوجب على هذا أن لا تمنع قدرته على نكاح الحرة من تزويج الأمة بل الأمة أيسر أمرا في ذلك من الأختين والأم والبنت ، والدليل عليه جواز اجتماع الحرة والأمة تحته عند جميع فقهاء الأمصار وامتناع اجتماع الأم والبنت والأختين تحته ، فلما لم يكن إمكان تزويج البنت الذي هو أغلظ حكما مانعا من الأم الحرة والأمة وجب أن لا يكون لإمكان تزوج الحرة تأثير في منع نكاح الأمة . واحتج من خالف في ذلك بقوله تعالى : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) إلى قوله تعالى : ( ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم ) ، وأنه أباح نكاح الأمة بشرط عدم الطول إلى الحرة وخشية العنت ، فلا تجوز استباحته إلا بوجود الشرطين جميعا ، وهذه الآية قاضية على ما تلوت من الآي لما فيها من بيان حكم الأمة في التزويج . قيل له : ليس في هذه الآية حظر نكاح الأمة في حال وجود الطول إلى الحرة ، وإنما فيها إباحته في حال عدم الطول إليها ، وسائر الآي التي تلونا يقتضي إباحة نكاحها في سائر الأحوال ، فليس في أحدهما ما يوجب تخصيص الأخرى لورودهما جميعا في حكم الإباحة ، وليس في واحدة منهما حظر ، فلا يجوز أن يقال إن هذه مخصصة لها ، والجميع وارد في حكم واحد . فإن قيل : هذا كقوله تعالى : ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) [ المجادلة : 4 ] فكان مقتضى جميع ذلك امتناع جوازه مع وجود ما قبله . قيل له : لأنه جعل الفرض بديا عتق رقبة ، فاقتضى ذلك أن يكون الفرض هو العتق لا غير ، فلما نقله عند عدم الرقبة إلى الصيام اقتضى ذلك أن لا يجزي غيره إذا عدم الرقبة ، فلما قال : ( فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) [ المجادلة : 4 ] كان حكم الكفارة مقصورا على المذكور في الآية على ما اقتضته من الترتيب ، وليس معك آية تحظر نكاح الإماء حتى إذا ذكرت إباحتهن بشرط وحال كان عدم الشرط والحال موجبا لحضرهن ، بل سائر الآي الواردة في إباحة النكاح ليس فيها فرق بين الحرائر والإماء فليس إذا في قوله : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ) دلالة على حضرهن عند وجود الطول إلى الحرائر . وذكر إسماعيل بن إسحاق هذه الآية وذكر اختلاف السلف فيها ، ثم ذكر قول أصحابنا في تجويزهم نكاح الأمة مع القدرة على تزويج الحرة ، فقال : وهذا قول تجاوز فساده ولا يحتمل التأويل ، لأنه محظور في الكتاب إلا من الجهة التي أبيحت . قال أبو