الجصاص

20

أحكام القرآن

بصحتها ، إذ كان الناس كلهم عبيد الله لا يستحق بعضهم على بعض العبادة ولا يجب على أحد منهم طاعة غيره إلا فيما كان طاعة لله تعالى . وقد شرط الله تعالى في طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم ما كان منها معروفا ، وإن كان الله تعالى قد علم أنه لا يأمر إلا بالمعروف ، لئلا يترخص أحد في إلزام غيره طاعة نفسه إلا بأمر الله تعالى ، كما قال الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم في قصة المبايعات : ( ولا يعصينك في معروف فبايعهن ) [ الممتحنة : 12 ] فشرط عليهن ترك عصيان النبي صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي يأمرهن به تأكيدا ، لئلا يلزم أحدا طاعة غيره إلا بأمر الله وما كان منه طاعة لله تعالى . وقوله تعالى : ( ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) أي لا يتبعه في تحليل شئ ولا تحريمه إلا فيما حلله الله أو حرمه ، وهو نظير قوله تعالى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ) [ التوبة : 31 ] وقد روى عبد السلام بن حرب عن عطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب ، فقال : " ألق هذا الوثن عنك " ثم قرأ : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) [ التوبة : 31 ] ، قلت : يا رسول ما كنا نعبدهم ! قال : " أليس كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم فيحرمونه ؟ " . قال : " فتلك عبادتهم " ، وإنما وصفهم الله تعالى بأنهم اتخذوهم أربابا لأنهم أنزلوهم منزلة ربهم وخالقهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحلله ، ولا يستحق أحد أن يطاع بمثله إلا الله تعالى الذي هو خالقهم ، والمكلفون كلهم متساوون في لزوم عبادة الله واتباع أمره وتوجيه العبادة إليه دون غيره . مطلب : في الجواب عن إشكال من قال : : إن القرآن نزل بعد إبراهيم عليه السلام فكيف يكون مسلما قوله تعالى : ( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم ) إلى قوله تعالى : ( أفلا تعقلون ) . روي عن ابن عباس والحسن والسدي أن أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فتنازعوا في إبراهيم عليه السلام ، فقالت اليهود : ما كان إلا يهوديا ، وقالت النصارى : ما كان إلا نصرانيا ، فأبطل الله دعواهم بقوله تعالى : ( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ) ، فاليهودية والنصرانية حادثتان بعد إبراهيم ، فكيف يكون يهوديا أو نصرانيا ! وقد قيل إنهم سموا بذلك لأنهم من ولد يهودا ، والنصارى سموا بذلك لأن أصلهم من ناصرة قرية بالشام ، ومع ذلك فإن اليهودية ملة محرفة عن ملة موسى عليه السلام ، والنصرانية ملة محرفة عن شريعة عيسى عليه السلام ، فلذلك قال تعالى : ( وما أنزلت التوراة والإنجيل