الجصاص

193

أحكام القرآن

فقال : " أتزوجك عشرة أيام " فجعله زفر نكاحا صحيحا وأبطل الشرط فيه ، لأن النكاح لا تفسده الشروط الفاسدة ، كما لو قال : " أتزوجك على أن أطلقك بعد عشرة أيام " كان النكاح جائزا والشرط باطلا ، وإنما الخلاف بينهم وبين زفر في أن هذا نكاح أو متعة ؟ فقال الجمهور : هذا متعة وليس بنكاح . والدليل على صحة هذا القول إن النكاح إلى أجل هو متعة وإن لم يلفظ بالمتعة ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة الجهني أن أباه أخبره : أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حتى نزلوا عسفان ، وذكر قصة أمر النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بالإحلال بالطواف إلا من كان معه هدي ، قال : فلما أحللنا قال : " استمتعوا من هذه النساء " والاستمتاع التزويج عندنا ، فعرضنا ذلك على النساء فأبين إلا أن نضرب بيننا وبينهن أجلا ، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " افعلوا " . فخرجت أنا وابن عمي - وأنا أشب منه - ومعي برد ومعه برد ، فأتينا امرأة فأعجبها برده وأعجبها شبابي ، فقالت : برد كبرد وهذا أشب ، وكان بيني وبينها عشر فبت عندها ليلة ثم أصبحت فخرجت إلى المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الركن والمقام يقول : " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هذه النساء ، ألا وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن بقي عنده منهن شئ فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " . فأخبر سبرة في هذا الحديث أن الاستمتاع كان التزويج ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان رخص لهم في توقيت المدة فيه ثم نهى عنه بعد الإباحة ، فثبت بذلك أن النكاح إلى أجل هو متعة . ويدل على ذلك أيضا حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عبد الله بن مسعود قال : " كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا نساء ، فقلنا : يا رسول الله ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن ننكح بالثوب إلى أجل ، ثم قرأ : ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) [ المائدة : 87 ] . فأخبر عبد الله بن مسعود أن المتعة كانت نكاحا إلى أجل . ويدل على ذلك حديث جابر عن عمر بن الخطاب ، وقد تقدم سنده في باب المتعة ، أنه قال : " إن الله كان يحل لرسوله ما شاء فأتموا الحج والعمرة كما أمر الله واتقوا نكاح هذه النساء ، لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته " . فأخبر عمر أن النكاح إلى أجل هو متعة ، وإذا ثبت له هذا الاسم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المتعة انتظم ذلك تحريم النكاح إلى أجل لدخوله تحت الاسم . وأيضا لما كانت المتعة اسما للنفع القليل كما قال تعالى : ( إنما هذه الحياة الدنيا متاع ) [ غافر : 39 ] يعني نفعا قليلا ، وسمى الواجب بعد الطلاق متعة بقوله : ( فمتعوهن ) [ الأحزاب : 49 ] ، وقال : ( وللمطلقات متاع بالمعروف ) [ البقرة : 241 ] لأنه أقل من المهر ، علمنا أن ما أطلق عليه اسم المتعة أو المتاع فقد أريد به التقليل وأنه نزر يسير بالإضافة إلى ما