الجصاص

191

أحكام القرآن

الإباحة ، وأيضا لو تساويا لكان الحضر أولى لما بيناه في مواضع ، وأما تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم الآية عند إباحة المتعة ، وهو قوله تعالى : ( لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ) [ المائدة : 87 ] فإنه يحتمل أن يريد به النهي عن الاستخصاء وتحريم النكاح المباح ، ويحتمل المتعة في حال ما كانت مباحة . وقد روي عن عبد الله أنها منسوخة بالطلاق والعدة والميراث ، ويدل عليه أنه قد علم أنها قد كانت مباحة في وقت ، فلو كانت الإباحة باقية لورد النقل بها مستفيضا متواترا لعموم الحاجة إليه ولعرفتها الكافة كما عرفتها بديا ولما اجتمعت الصحابة على تحريمها لو كانت الإباحة باقية ، فلما وجدنا الصحابة منكرين لإباحتها موجبين لحظرها مع علمهم بديا بإباحتها دل ذلك على حظرها بعد الإباحة ، ألا ترى أن النكاح لما كان مباحا لم يختلفوا في إباحته ؟ ومعلوم أن بلواهم بالمتعة لو كانت مباحة كبلواهم بالنكاح فالواجب إذا أن يكون ورود النقل في بقاء إباحتها من طريق الاستفاضة . ولا نعلم أحدا من الصحابة روي عنه تجريد القول في إباحة المتعة غير ابن عباس ، وقد رجع عنه حين استقر عنده تحريمها بتواتر الأخبار من جهة الصحابة ، وهذا كقوله في الصرف وإباحته الدرهم بالدرهمين يدا بيد ، فلما استقر عنده تحريم النبي صلى الله عليه وسلم إياه وتواترت عنده الأخبار فيه من كل ناحية رجع عن قوله وصار إلى قول الجماعة ، فكذلك كان سبيله في المتعة . ويدل على أن الصحابة قد عرفت نسخ إباحة المتعة ، ما روي عن عمر أنه قال في خطبته : " متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما " ، وقال في خبر آخر : " لو تقدمت فيها لرجمت " ، فلم ينكر هذا القول عليه منكر ، لا سيما في شئ قد علموا إباحته وإخباره بأنهما كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلا يخلو ذلك من أحد وجهين : إما أن يكونوا قد علموا بقاء إباحتها فاتفقوا معه على حظرها ، وحاشاهم من ذلك ! لأن ذلك يوجب أن يكونوا مخالفين لأمر النبي صلى الله عليه وسلم عيانا ، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فغير جائز منهم التواطؤ على مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولأن ذلك يؤدي إلى الكفر وإلى الانسلاخ من الاسلام ، لأن من علم إباحة النبي صلى الله عليه وسلم للمتعة ثم قال هي محظورة من غير نسخ لها فهو خارج من الملة . فإذا لم يجز ذلك علمنا أنهم قد علموا حظرها بعد الإباحة ولذلك لم ينكروه ، ولو كان ما قال عمر منكرا ولم يكن النسخ عندهم ثابتا لما جاز أن يقاروه على ترك النكير عليه ، وفي ذلك دليل على إجماعهم على نسخ المتعة ، إذ غير جائز حظر ما أباحه النبي صلى الله عليه وسلم إلا من طريق النسخ . ومما يدل على تحريم المتعة من طريق النظر ، أنا قد علمنا أن عقد النكاح وإن كان