الجصاص

179

أحكام القرآن

بتعجيل شئ لها ، وعلى ذلك كان مخرج كلامه ، لأنه لو أراد ما يصح به العقد من التسمية لاكتفى بإثباته في ذمته ما يجوز به العقد عن السؤال عما يعجل ، فدل ذلك على أنه لم يرد به ما يصح مهرا ، ألا ترى أنه لما لم يجد شيئا قال : " زوجتكها بما معك من القرآن " وما معه من القرآن لا يكون مهرا ؟ فدل ذلك على صحة ما ذكرنا . واختلف الفقهاء فيمن تزوج امرأة على خدمته سنة ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : " إذا تزوج امرأة على خدمته سنة فإن كان حرا فلها مهر مثلها ، وإن كان عبدا فلها خدمته سنة " . وقال محمد : " لها قيمة خدمته إن كان حرا " . وقال مالك : " إذا تزوجها على أن يؤاجرها نفسه سنة أو أكثر أو أقل ويكون ذلك صداقها فإنه يفسخ النكاح إن لم يدخل بها ، وإن دخل بها ثبت النكاح " . وقال الأوزاعي : " إذا تزوجها على أن يحجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها فهو ضامن لنصف حجها من الحملان والكسوة والنفقة " . وقال الحسن بن صالح والشافعي : " النكاح جائز على خدمته إذا كان وقتا معلوما " . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : " إذا تزوجها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهرا ولها مهر مثلها " ، وهو قول مالك والليث ، وقال الشافعي : " يكون ذلك مهرا لها ، فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف أجرة التعليم إن كان قد علمها " ، وهي رواية المزني ، وحكى الربيع عنه أنه يرجع عليها بنصف مهر مثلها . قال أبو بكر : قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ) قد اقتضى أن يكون بدل البضع ما يستحق به تسليم مال ، لأن قوله : ( أن تبتغوا بأموالكم ) يحتمل معنيين ، أحدهما : تمليك المال بدلا من البضع ، والآخر : تسليمه لاستيفاء منافعه ، فدل ذلك على أن المهر الذي يملك به البضع إما أن يكون مالا أو منافع في مال يستحق بها تسليمه إليها ، إذ كان قوله : ( أن تبتغوا بأموالكم ) يشتمل عليهما ويقتضيهما . مطلب : في أن المنافع لا تكون مهرا ويدل على أن المهر حكمه أن يكون مالا قوله تعالى : ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) [ النساء : 4 ] وذلك لأن قوله : ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) [ النساء : 4 ] أمر يقتضي ظاهره الإيجاب ، ودل بفحواه على أن المهر ينبغي أن يكون مالا من وجهين ، أحدهما : قوله : ( وآتوا ) [ النساء : 4 ] معناه : أعطوا ، والإعطاء إنما يكون في الأعيان دون المنافع ، إذ المنافع لا يتأتى فيها الإعطاء على الحقيقة ، والثاني : قوله : ( فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) [ النساء : 4 ] ، وذلك لا يكون في المنافع وإنما هو في المأكول أو فيما يمكن صرفه بعد