الجصاص

167

أحكام القرآن

الجمع ما تمنع نفس النكاح ، وجب أن يكون الزوج ممنوعا من تزويج أختها في عدتها كما منع ذلك في حال بقاء نكاحها ، إذ كانت العدة تمنع من الجمع ما يمنعه نفس النكاح كما جرت العدة مجرى النكاح في باب منعها من نكاح زوج آخر حتى تنقضي عدتها . فإن قيل : هذا يوجب أن يكون الرجل في العدة إذا منعته من تزويج الأخت حتى تنقضي عدتها . قيل له : ليس تحريم النكاح مقصورا على العدة حتى إذا منعناه من نكاح أختها فقد جعلناه في العدة ، ألا ترى أنه ممنوع من تزوج أختها إذا كانت معتدة منه من طلاق رجعي ولم يوجب ذلك أن يكون الرجل في العدة ؟ وكذلك قبل الطلاق كل واحد منهما ممنوع من عقد نكاح على الأخت أو لزوج آخر ، وليس واحد منهما في العدة . وقوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) . قال أبو بكر : قد ذكرنا معنى قوله : ( إلا ما قد سلف ) عند ذكر قوله تعالى : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) واختلاف المختلفين في تأويله واحتماله لما قيل فيه . وقال تعالى عند ذكر تحريم الجمع بين الأختين : ( إلا ما قد سلف ) ، وهو في هذا الموضع يحتمل من المعاني ما احتمله الأول ، وفيه احتمال لمعنى آخر لا يحتمله الأول ، وهو أن يكون معناه أن العقود المتقدمة على الأختين لا تنفسخ ويكون له أن يختار إحداهما ، ويدل عليه حديث أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال : أسلمت وعندي أختان ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " طلق إحداهما " وفي بعض الألفاظ : " طلق أيتهما شئت " ، فلم يأمره بمفارقتهما إن كان العقد عليهما معا ، ولم يأمره بمفارقة الآخرة منهما إن كان تزوجهما في عقدين ، ولم يسأله عن ذلك ، فدل ذلك على بقاء نكاحه عليهما بقوله : " طلق أيتهما شئت " ، ودل ذلك على أن العقد عليهما كان صحيحا قبل نزول التحريم وأنهم كانوا مقرين على ما كانوا عليه من عقودهم قبل قيام حجة السمع ببطلانها . واختلاف أهل العلم في الكافر يسلم وتحته أختان أو خمس أجنبيات ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري : " يختار الأوائل منهن إن كن خمسا ، وإن كانتا أختين اختار الأولى ، وإن كان تزوجهن في عقدة واحدة فرق بينه وبينهن " . وقال محمد بن الحسن ومالك والليث والأوزاعي والشافعي : " يختار من الخمس أربعا أيتهن شاء ومن الأختين أيتهما شاء " ، إلا أن الأوزاعي روى عنه في الأختين أن الأولى امرأته ويفارق الآخرة . وقال الحسن بن صالح : " يختار الأربع الأوائل ، فإن لم يدر أيتهن الأولى طلق كل واحدة حتى تنقضي عدتها ثم يتزوج أربعا " . والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى : ( وأن تجمعوا بين الأختين ) وذلك خطاب لجميع المكلفين ، فكان عقد الكافر على الأختين بعد نزول التحريم كعقد المسلم في حكم الفساد ، فوجب التفريق بينه وبين الآخرة لوقوع