الجصاص
158
أحكام القرآن
منسوخ عند فقهاء الأمصار ، فجائز أن يكون تحديد الرضاع كان في رضاع الكبير ، فلما نسخ سقط التحديد إذ كان مشروطا فيه . وأيضا يلزم الشافعي إيجاب التحريم بثلاث رضعات لدلالة قوله : " لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان " على إيجاب التحريم فيما زاد على أصله في المخصوص بالذكر . وأما حديث عائشة فغير جائز اعتقاد صحته على ما ورد ، وذلك لأنها ذكرت أنه كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات فنسخن بخمس ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو مما يتلى ، وليس أحد من المسلمين يجيز نسخ القرآن بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلو كان ثابتا لوجب أن تكون التلاوة موجودة ، فإذا لم توجد به التلاوة ولم يجز النسخ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل ذلك من أحد وجهين : إما أن يكون الحديث مدخولا في الأصل غير ثابت الحكم ، أو يكون إن كان ثابتا فإنما نسخ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما كان منسوخا فالعمل به ساقط . وجائز أن يكون ذلك كان تحديدا لرضاع الكبير ، وقد كانت عائشة تقول به في إيجاب التحريم في رضاع الكبير دون سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت عندنا وعند الشافعي نسخ رضاع الكبير ، فسقط حكم التحديد المذكور في حديث عائشة هذا . ومع ذلك لو خلا من هذه المعاني التي ذكرنا من الاستحالة والاحتمال لما جاز الاعتراض به على ظاهر القرآن ، إذ هو من أخبار الآحاد . ومما يدل على ما ذكرنا من سقوط اعتبار التحديد أن الرضاع يوجب تحريما مؤبدا ، فأشبه الوطء الموجب لتحريم الأم والبنت والعقد الموجب للتحريم كحلائل الأبناء وما نكح الآباء ، فلما كان القليل من ذلك ككثيره فيما يتعلق به من حكم التحريم وجب أن يكون ذلك حكم الرضاع في إيجاب التحريم بقليله . مطلب : اختلف أهل العلم في لبن الفحل واختلف أهل العلم في لبن الفحل ، وهو الرجل يتزوج المرأة فتلد منه ولدا وينزل لها لبن بعد ولادتها منه فترضع به صبيا ، فإن من قال بتحريم لبن الفحل يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل وإن كانوا من غيرها ، ومن لا يعتبره لا يوجب تحريما بينه وبين أولاده من غيرها . فممن قال بلبن الفحل ابن عباس ، وروى الزهري عن عمرو بن الشريد عن ابن عباس أنه سئل عن رجل له امرأتان أرضعت هذه غلاما وهذه جارية ، هل يصح للغلام أن يتزوج الجارية ؟ فقال : " لا ، اللقاح واحد " ، وهو قول القاسم وسالم وعطاء وطاوس . وذكر الخفاف عن سعيد عن ابن سيرين قال : " كرهه قوم ولم ير به قوم بأسا ، ومن كرهه كان أفقه من الذين لم يروا به بأسا " . وذكر عباد بن منصور قال : قلت للقاسم بن محمد : امرأة أبي أرضعت جارية من الناس بلبان إخوتي من أبي أتحل لي ؟ قال : " لا ، أبوك أبوها " ، فسألت طاوسا والحسن فقالا مثل ذلك ، وسألت مجاهدا فقال : " اختلف فيه