الجصاص

140

أحكام القرآن

مطلب : في قول الفراء أن الافضاء هو الخلوة قال أبو بكر : ذكر الفراء أن الإفضاء هو الخلوة وإن لم يقع دخول . وقول الفراء حجة فيما يحكيه من اللغة ، فإذا كان اسم الإفضاء يقع على الخلوة فقد منعت الآية أن يأخذ منها شيئا بعد الخلوة والطلاق ، لأن قوله تعالى : ( وإن أردتم استبدال زوج ) قد أفاد الفرقة والطلاق ، والإفضاء مأخوذ من الفضاء ، وهو المكان الذي ليس فيه بناء حاجز عن إدراك ما فيه ، فسميت الخلوة إفضاء ، لزوال المانع من الوطء والدخول . ومن الناس من يقول : إن الفضاء السعة ، وأفضى : إذا صار في المتسع مما يقصده . وجائز على هذا الوضع أيضا أن تسمى الخلوة إفضاء لوصوله بها إلى مكان الوطء واتساع ذلك بالخلوة ، وقد كان يضيق عليه الوصول إليها قبل الخلوة ، فسميت الخلوة إفضاء لهذا المعنى ، فأخبر تعالى أنه غير جائز له أخذ شئ مما أعطاها مع إفضاء بعضهم إلى بعض ، وهو الوصول إلى مكان الوطء وبذلها ذلك له وتمكينها إياه من الوصول إليها . فظاهر هذه الآية تمنع الزوج أخذ شئ مما أعطاها إذا كان النشوز من قبله ، لأن قوله تعالى : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ) على أن الزوج هو المريد للفرقة دونها ، ولذلك قال أصحابنا : إن النشوز إذا كان من قبله يكره له أن يأخذ شيئا من مهرها ، وإذا كان من قبلها فجائز له ذلك لقوله تعالى : ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) فقيل عن ابن عباس : " إن الفاحشة هي النشوز " ، وقال غيره : " هي الزنا " . ولقوله تعالى : ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) [ البقرة : 229 ] ، ومن الناس من يقول إنها منسوخة بقوله : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ) . وذلك غلط ، لأن قوله تعالى : ( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ) قد أفاد حال كون النشوز من قبله ، وقوله تعالى : ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) [ البقرة : 229 ] إنما فيه ذكر حال أخرى غير الأولى ، وهي الحال التي يكون النشوز منها وافتدت فيها المرأة منه ، فهذه حال غير تلك وكل واحد من الحالين مخصوصة بحكم دون الأخرى . مطلب : في قوله تعالى : ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) وقوله تعالى : ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) قال الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي : هو قوله : ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) [ البقرة : 299 ] . قال قتادة : " وكان يقال للناكح في صدر الاسلام : الله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان " . وقال مجاهد : " كلمة النكاح التي يستحل بها الفرج " . وقال غيره : هو قول