الجصاص
134
أحكام القرآن
الإمساك حدا منسوخا . وجائز أن يكون الأذى حدا لهما جميعا بديا ثم زيد في حد المرأة الحبس إلى الموت أو السبيل الذي يجعله الله لها ، فيوجب ذلك نسخ الأذى في المرأة أن يكون حدا لأنه صار بعضه بعد نزول الحبس ، فهذه الوجوه كلها محتملة . فإن قيل : هل يحتمل أن يكون الحبس منسوخا بإسقاط حكمه والاقتصار على الأذى إذا كان نازلا بعده ؟ قيل له : لا يجوز نسخه على جهة رفع حكمه رأسا ، إذ ليس في إيجاب الأذى ما ينفي الحبس لجواز اجتماعهما ، ولكنه يكون نسخه من طريق أنه يصير بعض الحد بعد أن كان جميعه ، وذلك ضرب من النسخ . مطلب : الزيادة في النص بعد استقرار حكمه توجب النسخ وقد قيل في ترتيب الآيتين وجهان ، أحدهما : ما روي عن الحسن أن قوله تعالى : ( واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ) نزلت قبل قوله تعالى : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ) ، ثم أمر أن توضع في التلاوة بعده ، فكان الأذى حدا لهما جميعا ، ثم الحبس للمرأة مع الأذى . وذلك يبعد من وجه ، لأن قوله تعالى : ( واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ) " الهاء " التي في قوله : ( يأتيانها ) كناية لا بد لها من مظهر متقدم مذكور في الخطاب أو معهود معلوم عند المخاطب ، وليس في قوله تعالى : ( واللذان يأتيانها منكم ) دلالة من الحال على أن المراد الفاحشة ، فوجب أن تكون كناية راجعة إلى الفاحشة التي تقدم ذكرها في أول الآية ، إذا لو لم تكن كناية عنها لم يستقم الكلام بنفسه في إيجاب الفائدة وإعلام المراد ، وليس ذلك بمنزلة قوله تعالى : ( ما ترك على ظهرها من دابة ) [ فاطر : 45 ] وقوله تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) [ القدر : 1 ] لأن من مفهوم ذكر الإنزال أنه القرآن ، وفي مفهوم قوله تعالى : ( ما ترك على ظهرها من دابة ) [ فاطر : 45 ] أنها الأرض ، فاكتفى بدلالة الحال وعلم المخاطب بالمراد عن ذكر المكنى عنه ، فالذي يقتضيه ظاهر الخطاب أن يكون ترتيب معاني الآيتين على حسب ترتيب اللفظ ، فإما أن تكونا نزلتا معا وإما أن يكون الأذى نازلا بعد الحبس إن كان المراد بالأذى من أريد بالحبس من النساء . والوجه الثاني : ما روي عن السدي أن قوله تعالى : ( واللذان يأتيانها منكم ) إنما كان حكما في البكرين خاصة ، والأولى في الثيبات دون الأبكار . إلا أن هذا قول يوجب تخصيص اللفظ بغير دلالة ، وذلك غير سائغ لأحد مع إمكان استعمال اللفظين على حقيقة مقتضاهما ، وعلى أي وجه تصرفت وجوه الاحتمال في حكم الآيتين وترتيبهما فإن الأمة لم تختلف في نسخ هذين الحكمين عن الزانيين . وقد اختلف السلف في معنى السبيل المذكور في هذه الآية ، فروي عن ابن عباس : " أن السبيل الذي جعله لهن الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن " ، وعن قتادة مثل