الجصاص
126
أحكام القرآن
بعض . وأيضا لو كان ميراثا لوجب أن يكون لو كان الميت رجلا من همدان ولا يعرف له وارث أن يستحق ميراثه أهل قبيلته ، لأنهم أقرب إليه من غيرهم ، فلما كان إنما يستحقه بيت المال للمسلمين وللإمام أن يصرفه إلى من شاء من الناس ممن يراه أهلا له ، دل ذلك على أن المسلمين لا يأخذونه ميراثا ، وإذا لم يأخذوه ميراثا وإنما كان للإمام صرفه إلى حيث يرى لأنه مالك له ، فمالكه أولى بصرفه إلى من يرى . ومن جهة أخرى أنهم إذا لم يأخذوه ميراثا أشبه الثلث الذي يوصي به الميت ولا ميراث فيه ، فله أن يصرفه إلى من شاء ، فكذلك بقية المال إذا لم يستحقه الوارث كان له صرفه إلى من شاء . ويدل عليه ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا بشر بن موسى قال : حدثنا الحميدي قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا أيوب قال : سمعت نافعا عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه تمر عليه الليلتان إلا ووصيته عنده مكتوبة " ، فلم يفرق بين الوصية ببعض المال أو بجميعه ، وظاهره يقتضي جواز الوصية بجميع المال ، وقد قامت الدلالة على وجوب الاقتصار على بعضه إذا كان له وارث ، فإذا لم يكن له وارث فهو على ظاهر مقتضاه في جوازها بالجميع ، والله أعلم . باب الضرار في الوصية قال الله تعالى : ( غير مضار وصية من الله ) . قال أبو بكر : الضرار في الوصية على وجوه : منها أن يقر في وصيته بماله أو ببعضه لأجنبي أو يقر على نفسه بدين لا حقيقة له زيا للميراث عن وارثه ومستحقه . ومنها أن يقر باستيفاء دين له على غيره في مرضه لئلا يصل إلى وارثه . ومنها أن يبيع ماله من غيره في مرضه ويقر باستيفاء ثمنه . ومنها أن يهب ماله في مرضه أو يتصدق بأكثر من ثلثه في مرضه إضرارا منه بورثته . ومنها أن يتعدى فيوصي بأكثر ما تجوز له الوصية به وهو الزيادة على الثلث . فهذه الوجوه كلها من المضارة في الوصية ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في فحوى قوله لسعد : " الثلث والثلث كثير إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا أحمد بن الحسن المصري قال : حدثنا عبد الصمد بن حسان قال : حدثنا سفيان الثوري عن داود - يعني ابن أبي هند - عن عكرمة عن ابن عباس قال : " الإضرار في الوصية من الكبائر " ثم قرأ : ( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله ) قال : " في الوصية " ( ومن يعص الله ورسوله ) قال : " في الوصية " . وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا القاسم بن زكريا ومحمد بن الليث قال : حدثنا حميد بن زنجويه قال : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن