الجصاص
120
أحكام القرآن
ولم يستحق الإخوة من الأب والأم سهم الأخوة من الأم لمشاركتهم للأخ من الأم في نسبها ، بل إنما استحقوا بالتعصيب فكانت قرابتهم بالأب والأم مؤكدة لتعصيبهم فلا يستحقون بها أن يكونوا من ذوي السهام ، وقرابة ابن العم بنسبه من جهة الأم لا تخرجه من أن يكون من ذوي السهام فيما يستحقه من سهم الأخ من الأم ، وليس لهذا تأثير في تأكيد التعصيب لأنه لو كان كذلك لوجب أن لا يستحق أبدا إلا بالتعصيب ، كما لا يؤخذ الإخوة من الأب والأم إلا بالتعصيب ولا يأخذون بقرابتهم من الأم سهم الأخوة من الأم ، والله أعلم . باب الرجل يموت وعليه دين ويوصي بوصية قال الله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) ، وروى الحارث عن علي قال : " تقرؤون الوصية قبل الدين ، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية " . قال أبو بكر : وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين ، وذلك لأن معنى قوله : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) أن الميراث بعد هذين ، وليست " أو " في هذا الموضع لأحدهما بل قد تناولتهما جميعا ، وذلك لأن قوله : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) مستثنى عن الجملة المذكورة في قسمة المواريث ، ومتى دخلت " أو " على النفي صارت في معنى " الواو " كقوله تعالى : ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) [ الانسان : 24 ] ، وقال تعالى : ( حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ) [ الانعام : 146 ] ، فكانت " أو " في هذه المواضع بمنزلة " الواو " ، فكذلك قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) لما كان في معنى الاستثناء كأنه قال : إلا أن تكون هناك وصية أو دين فيكون الميراث بعدهما جميعا . وتقديم الوصية على الدين في الذكر غير موجب للتبدئة بها على الدين ، لأن " أو " لا توجب الترتيب ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك بعد ذكر الميراث إعلاما لنا أن سهام المواريث جارية في التركة بعد قضاء الدين وعزل حصة الوصية ، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كانت سهام الورثة معتبرة بعد الثلث فيكون للزوجة الربع أو الثمن في الثلثين ؟ وكذلك سهام سائر أهل الميراث جارية في الثلثين دون الثلث الذي فيه الوصية ، فجمع تعالى بين ذكر الدين والوصية ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين وإن كانت الوصية مخالفة للدين من جهة الاستيفاء ، لأنه لو هلك من المال شئ لدخل النقصان على أصحاب الوصايا كما يدخل على الورثة ، وليس كذلك الدين لأنه لو هلك من المال شئ استوفى الدين كله من الباقي وإن استغرقه وبطل حق الموصى له والورثة جميعا ، فالموصى له شريك الورثة من وجه ويأخذ شبها من الغريم من وجه آخر ، وهو أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد