الجصاص
11
أحكام القرآن
مجاهد : أراد بالملك ههنا النبوة . وقوله : ( تؤتي الملك من تشاء ) يحتمل وجهين : أحدهما ملك الأموال والعبيد ، وذلك مما يجوز أن يؤتيه الله تعالى للمسلم والكافر . والآخر : أمر التدبير وسياسة الأمة ، فهذا مخصوص به المسلم العدل دون الكافر ودون الفاسق ، وسياسة الأمة وتدبيرها متعلقة بأوامر الله تعالى ونواهيه ، وذلك لا يؤتمن الكافر عليه ولا الفاسق ، لا يجوز أن تجعل إلى من هذه صفته سياسة المؤمنين لقوله تعالى : ( لا ينال عهدي الظالمين ) [ البقرة : 124 ] . فإن قيل : قال الله تعالى : ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ) [ البقرة : 258 ] فأخبر أنه آتي الكافر الملك . قيل له : يحتمل أن يريد به المال إن كان المراد إيتاء الكافر الملك ، وقد قيل إنه أراد به : آتي إبراهيم الملك ، يعني النبوة وجواز الأمر والنهي في طريق الحكمة . وقوله تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) الآية . فيه نهي عن اتخاذ الكافرين أولياء ، لأنه جزم الفعل ، فهو إذا نهي وليس بخبر . قال ابن عباس : نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية أن يلاطفوا الكفار ، ونظيرها من الآي قوله تعالى : ( لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ) [ آل عمران : 118 ] ، وقال تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ) [ المجادلة : 22 ] الآية ، وقال تعالى : ( فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) [ الأنعام : 68 ] ، وقال تعالى : ( فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ) [ النساء : 140 ] ، وقال تعالى : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) [ هود : 113 ] ، وقال تعالى : ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) [ النجم : 29 ] ، وقال تعالى : ( وأعرض عن الجاهلين ) [ الأعراف : 199 ] ، وقال تعالى : ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ) [ التوبة : 73 ] ، وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ) [ المائدة : 51 ] ، وقال تعالى : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ) [ طه : 131 ] ، فنهى بعد النهي عن مجالستهم وملاطفتهم عن النظر إلى أموالهم وأحوالهم في الدنيا . وروي " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بإبل لبني المصطلق وقد عبست بأبوالها من السمن ، فتقنع بثوبه ومضى " لقوله تعالى : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ) [ طه : 131 ] . وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا