العاملي

28

الانتصار

( ومن المعلوم لمن له عناية بالقرآن أن جمهور اليهود لا تقول إن عزير ( كذا ) ابن الله ، وإنما قاله طائفة منهم كما قد نقل أنه قال : فنحاص بن عازورا ، أو هو وغيره ! ! وبالجملة إن قائلي ذلك من اليهود قليل ، ولكن الخبر عن الجنس ، كما قال : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ، فالله سبحانه بين هذا الكفر الذي قاله بعضهم وعابه به . فلو كان ما في التوراة من الصفات التي تقول النفاة إنها تشبيه وتجسيم ، فإن فيها من ذلك ما تنكره النفاة وتسميه تشبيها وتجسيما بل فيها إثبات الجهة وتكلم الله بالصوت وخلق آدم على صورته وأمثال هذه الأمور ، فإن كان هذا مما كذبته اليهود ، وبدلته كان إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ، وبيان ذلك أولى من ذكر ما هو دون ذلك ! ! فكيف والمنصوص عنه موافق للمنصوص في التوراة ! ! فإنك تجد عامة ما جاء به الكتاب والأحاديث في الصفات موافقا مطابقا لما ذكر في التوراة ! ! وقد قلنا قبل ذلك إن هذا كله مما يمتنع في العادة توافق المخبرين به من غير مواطأة وموسى لم يواطئ محمدا ومحمد لم يتعلم من أهل الكتاب ، فدل ذلك على صدق الرسولين العظيمين وصدق الكتابين الكريمين ! ! وقلنا إن هذا لو كان مخالفا لصريح المعقول لم يتفق عليه مثل هذين الرجلين اللذين هما وأمثالهما أكمل العالمين عقلا ، من غير أن يستشكل ذلك وليهما المصدق ولا يعارض بما يناقضه عدوهما المكذب ، ويقولان إن إقرار محمد صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب على ذلك من غير أن يبين كذبهم ، فيه دليل على أنه ليس مما كذبوه وافتروه على موسى ، مع أن هذا معلوم بالعادة .