الشيخ عباس القمي
263
الفوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية ( فارسى )
آخر مؤلفاته - رضوان الله عليه - و لم يمهله الأجل حتى يتمها و منّ الله تعالى علىّ باتمامها إلى غير ذلك من الحواشى و الرسائل ، و كان رحمه الله حسن المحاضرة ، سريع الكتابة ، كثير الحافظة ، مقبلا على شأنه ، مستوحشا عن أوثق إخوانه ، و كان شديد العبادة ، كثير الزهادة ، لم يفته صلاة الليل و القيام في طاعة ربّه في آناء الليل ، و كان جامعا أعلى كلّ مكرمة و شرافة ، و أسنى كلّ خصلة و فضيلة ، و بلغ من كل خير ذروته ، و أخذ من كل علم شريف جوهره و حقيقته ، أما علمه فأحسن فنّه الحديث و معرفة الرجال و الإحاطة بالأقوال و الاطلاع بدقائق [ على دقائق ] الآيات و نكات الأخبار ، بحيث يتحيّر العقول عن [ من ] كيفية استخراجه جواهر الأخبار عن [ من ] كنوزها ، و ترجع الأبصار حاسرة عن إدراك طريقته في استنباط إشاراتها و رموزها . فسبحان الله المتعال من كثرة اطّلاعه و طول باعه ، و شدّة تبحّره في العلوم و الأخبار و السنن و الآثار ، كان بحرا موّاجا ، و سراجا وهّاجا ، و كان ضنينا بعمره ، بحيث لم يدع دقيقة من دقائق عمره ، و نفيس جوهر حياته يمضى [ تمضى ] بلا فائدة ، و يفنى بلا عائدة ، بل أخذ منه حظّه و نصيبه ، إمّا بجمع شتات الأخبار و تأليف متفرقات ما ورد عن الأئمة الأطهار ، و إمّا بالذكر و تلاوة الآيات أو بالصلاة و النوافل المندوبات ، مواظب لكل [ على كلّ ] سنّة سنية ، و مؤد لميسور دقائق الآداب الدينية ، كان واعظا لغيره بأفعاله و أقواله ، و داعيا إلى الله بمحاسن أحواله ، يذكر [ تذكّر ] الله تعالى رؤيته ، و يزيد في العلم منطقه ، و يرغبّ في الآخرة عمله ، ما قام أحد من مجلسه إلّا بخير مستفاد جديد ، و شوق إلى الثواب . و خوف من الوعيد ، لا يختار من الأعمال المندوبة إلّا أحمزها و أتعبها ، و لا يأخذ من السنن إلّا أحسنها . أفعاله كانت منطبقة على كلامه ، و كلامه مقصور [ مقصورا ] على ما خرج عن إمامه ، لازمت خدمته برهة من الدهر في السفر و الحضر و الليل و النهار ، و كنت أستفيد من جنابه في البين إلى أن نعب بيننا غراب البين ، فطوى الدهر ما نشر ، و الدهر ليس بمأمون على بشر ، فتوفّي في سنة عشرين و ثلاثمائة و ألف - حشره الله تعالى مع الأئمّة الإثنى عشر ، عليهم السّلام - و في خلال استفادتى منه رحمه الله استجزت عنه أن يجيزنى برواية مؤلفات الأصحاب - رضى الله عنهم - بطرقه الخمسة ، فمنّ علىّ في أواخر أيّام حياته بإنجاح مسألتى ، فأجازنى أن أروي عنه مؤلفات أصحابنا - رضوان الله عليهم أجمعين - قديما و حديثا في التفسير و الحديث و الفقه