مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي
141
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )
جواز التورية مطلقاً من دون فرق في ذلك بين ما إذا كان المورد من موارد الاستثناء من حرمة الكذب من الإكراه والضرورة والمصلحة ونحوها أم لم يكن من تلك الموارد . ولكن قد عرفت أنّ مختار بعض الفقهاء في المسألة دخول التورية في الكذب ، وعليه ذهبوا إلى عدم جوازها . نعم ، هي في موارد الاستثناء جائزة غير محرّمة كما في الكذب . ومن هنا كان عمدة ما استدلّ به على الحرمة هو أنّ التورية داخلة تحت عنوان الكذب ، حيث ذكر بعض الفقهاء في هذا المجال أنّ مقياس الكذب في مدلوله العرفي إنّما هو عدم مطابقة ما أريد تفهيمه من الحكاية للمخاطب للواقع من دون دخل شيء آخر فيه ، وهذا المقياس منطبق على التورية ، فيترتّب عليها حكم الكذب وهو الحرمة . وعلى تقدير عدم قبول ذلك فلا أقل من أنّ المفهوم عرفاً - بمناسبات الحكم والموضوع - من أدلّة الكذب أنّها تنظر إلى هذا الجانب فحسب ، فإنّ الكذب كما يحمل حرمة شرعية كذلك يحمل حرمة عقلائية مرتكزة في أذهان العقلاء . ومن الواضح أنّه لا قيمة للإرادة الاستعمالية نفياً وإثباتاً في حساب هذا الأمر الارتكازي ، وإنّما المهمّ فيه كون الحكاية مضلّلة للمخاطب وحكايةً لأمر مخالف للواقع ، والارتكازات العقلائية لها تأثيرها الكبير على مداليل الألفاظ في الأدلّة اللفظية ، فالمنصرف من أدلّة حرمة الكذب إنّما هو النظر إلى جانب الإرادة الحكائية فحسب ، سواء فرض أنّ المدلول اللغوي للكذب يشمل التورية أو لا « 1 » . هذا ، ولكن قال بعض القائلين بجواز التورية في الجملة : « الحقّ أنّ التورية على قسمين : فتارةً يكون الكلام بظاهره قابلًا لاستعماله في كلّ منهما . . . كما في لفظ ( هنا ) الذي يقوله الإنسان من وراء الباب : ( إنّ فلاناً ليس هنا ) ومراده خلف الباب ، ولكنّ المخاطب بسبب بعض ما في ذهنه من الاعتقادات أو التخيّلات ينتقل إلى فرد
--> ( 1 ) انظر : فقه العقود 2 : 30 - 31 .