مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

43

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

في العصور المتأخّرة ؛ لأنّ التفقّه في الأعصار السابقة إنّما كان بسؤال الأحكام وسماعها عن المعصومين عليهم السلام ، ولم يكن وقتئذٍ من الاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه عين ولا أثر ؛ إذاً لا دلالة للآية المباركة على حجّية إنذار الفقيه بالمعنى المصطلح لتدلّ على حجّية فتواه ، وإنّما تدلّ على حجّية النقل والرواية ؛ لأنّ إنذار الفقيه بالمعنى المتقدّم إنّما هو بنقله الحكم الذي سمعه من مصادره أو بإخباره عن أنّ الفعل يترتّب على ارتكابه أو على عدم ارتكابه العقاب ، وأين هذا من التفقّه بالمعنى المصطلح ؟ لأنّه أمر آخر يتوقّف على إعمال الدقّة والنظر . وهذه المناقشة قد أوردها المحقّق الأصفهاني « 1 » ، وأجاب عنها السيّد الخوئي بأنّ اختلاف مراتب التفقّه لا يوجب اختصاص الحكم ببعض أفراده ، فإنّ التفقّه في الصدر الأوّل كان بمجرّد سماع الحديث وتحمّله لكونهم غالباً من أهل اللسان فكانوا فقهاء فيما ينقلونه ، ولم تكن الفقاهة من الصعوبة بهذه المثابة التي نجدها في عصرنا هذا ، فإنّها حصلت من كثرة الروايات وتعارضها ، بل كان من الفقهاء في الصدر الأوّل وفي زمان الأئمّة عليهم السلام من هو صاحب رأي واجتهاد ، ومن هنا كانوا يسألون الإمام عليه السلام عن علاج الأخبار المتعارضة ، وهذا يدلّ على أنّهم كانوا أهل نظر واستدلال . فظهر أنّ الإنذار كما يتحقّق بنقل الرواية عن المعصوم عليه السلام كذلك يتحقّق بالإفتاء ، فللفقيه أيضاً الإنذار بحكم اللَّه تعالى الذي تفقّه فيه واستنبطه من الروايات أو غيرها ، فلا موجب لدعوى اختصاص الآية المباركة بالحكاية والإخبار . بل لا يبعد دعوى دلالة الآية على اعتبار فهم الراوي معنى الرواية في حجّية خبره ؛ وذلك لعدم صدق التفقّه على مجرّد نقل ألفاظ المعصوم عليه السلام من دون فهم المعنى رأساً ، وظاهر الآية دخل الفقه في وجوب الحذر عند الإنذار ، إلّاأن يقال بعدم القول بالفصل بين صورتي الفهم وعدمه . فتحصّل أنّ دلالة الآية الشريفة على حجّية الفتوى أولى من دلالتها على حجّية الرواية « 2 » .

--> ( 1 ) انظر : نهاية الدراية 6 : 401 - 402 . فقه الشيعة ( الاجتهاد والتقليد ) 1 : 11 . ( 2 ) فقه الشيعة ( الاجتهاد والتقليد ) 1 : 11 - 12 .