مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

30

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

وأمّا الآية الأخرى فقد تبيّن حالها ممّا قلناه في الأولى ؛ فإنّها واردة في سياق التنديد بالكفّار الذين يعوّلون على الظنون والتخمينات ، فاستنكرته الآية . وهذا السياق - أي سياق تعليل استنكار طريقة الكفّار - بنفسه قرينة على أنّ المقصود هو الإشارة إلى سنخ قاعدة عقلية أو عقلائية مفروغ عن صحّتها لا قاعدة شرعيّة تأسيسية ، وإلّا لم يكن مناسباً مع مقام الاختصام والاحتجاج . وما يمكن أن يكون سنخ قاعدة مفروغ عن صحّتها إنّما هو عدم إمكان التعويل على الظنّ بما هو ظنّ ، لا عدم جعل الحجّية للظنّ شرعاً أو عقلائياً ، وعليه فيكون دليل الحجّية وارداً على الآيتين . أضف إلى ذلك أنّ قوله تعالى : « إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً » « 1 » مدلوله المطابقي إنّما هو بيان صغرى أنّ الظنّ لا يغني في التوصّل إلى لبّ الحقّ والواقع ؛ لأنّه يخطئ ، وهذه صغرى واضحة في نفسها ، فإذا ضمّ إليها كبرى : أنّ المطلوب هو التوصّل إلى لبّ الحقّ والواقع انتج المطلوب ، إلّاأنّ هذه الكبرى إنّما تكون واضحة في باب أصول الدين الذي يكون المطلوب فيه الوصول إلى لبّ الحقيقة ، فلا تكون الكبرى المقدّرة أكثر من هذا المقدار ، ومعه لا يتمّ في الآية إطلاق لغير أصول الدين » « 2 » . وهناك احتمال آخر في الآية الأولى ، وهو أنّه ليس المراد بالاقتفاء فيها الاتّباع والذهاب خلف الشيء وجعله سنداً ودليلًا بحيث يكون الداعي للإنسان كما ذكره السيّد الشهيد ، بل المراد به البهتان والقذف والكلام خلف الشخص ، ولعلّه يناسبه التعليل بقوله : « إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا » « 3 » ، فيكون أجنبياً عن محلّ الكلام . ولو حمل على الاتّباع - كما في كلام السيّد الشهيد لا على الكلام خلف الشخص والبهتان - فالمعنى حينئذٍ : لا تذهب وراء غير المعلوم ولا تتّبعه ، وهذا إرشاد إلى عدم حجّيته لا محالة ؛ وذلك لأنّ الاتّباع في الآية أضيف إلى ما لا علم به لا إلى

--> ( 1 ) يونس : 36 . ( 2 ) بحوث في علم الأصول 4 : 339 . ( 3 ) الإسراء : 36 .