مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

13

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

على تقليد الميّت وليس تقليداً ابتدائياً له . وهذا بخلاف ما إذا فسّرنا التقليد بالعمل ، فإنّه حينئذٍ لا يجوز له الرجوع إلى الميّت ؛ لأنّه من تقليد الميّت ابتداءً لعدم العمل بفتواه وإنّما التزم بالعمل بها وهو غير مجدٍ في صدق عنوان التقليد . وهكذا في المسألة الثانية فإنّه إذا التزم بفتوى مجتهد وفسّرنا التقليد بالالتزام فلا يجوز له العدول عن تقليده ؛ إذ المفروض أنّه قلّده تقليداً صحيحاً ولا مرخّص له في العدول . وهذا بخلاف ما إذا فسّرنا التقليد بالعمل فيجوز له العدول ؛ لأنّه لم يتحقّق منه التقليد ، بل لا يكون رجوعه إلى غيره عدولًا من مجتهد إلى مجتهد آخر حينئذٍ « 1 » . وهذا الكلام - أي ابتناء حكم المسألتين على النزاع المذكور - وإن لم يكن تاماً عند بعض الفقهاء - كالسيّد الخوئي - إلّاأنّ منشأه هو الاختلاف في معنى التقليد ، وهذا يدلّ على أنّ النزاع في المقام معنوي وليس لفظياً وبمحض التعبير « 2 » . وإليك عمدة التعاريف ومرجّحات كلّ منها وثمرة النزاع : 1 - تفسير التقليد بالعمل ومؤيّداته : أمّا تفسيره بنفس العمل فقد ذكرت لترجيحه على سائر التفاسير عدّة وجوه : الأوّل : أنّ ما ورد في الاستعمالات من قولهم : قلّد المجتهد الأصحّ فيه هو أنّه من قبيل حذف المفعول الأوّل وهو الدين أو العمل ، فيكون المعنى اجعل الدين قلادة على المجتهد ، وهذا يناسب أن يكون التقليد هو نفس العمل ؛ لأنّ جعل العمل أو الدين قلادة على عنق المجتهد الذي هو كناية عن جعله مسؤولًا عن أعمال العامي إنّما يتحقّق بالعمل بقوله لا بمجرّد الالتزام به . نعم ، هناك احتمال آخر ولكنّه ضعيف ، وهو أن يكون الكلام المزبور من قبيل حذف المفعول الثاني ، ومفعوله الثاني النفس ، وهو يناسب أن يكون التقليد هو الأخذ للعمل والالتزام به ؛ لأنّ معنى ( اجعل المجتهد قلادة على نفسك ) : اجعل رأيه وفتواه قلادة على النفس ، ومعنى ذلك أنّه يقبل قوله ويأخذ به وينقاد له ويوطّن نفسه على العمل به عند الحاجة . ووجه الضعف هو لزوم الإسناد إلى غير من هو له ؛ لأنّه لا معنى لجعل المجتهد قلادة إلّابإرادة رأيه وفتواه ، فيكون نظير قولهم : ( جرى الميزاب ) ، وإذا كان إلى إرادة الإسناد الحقيقي سبيل لا يرتكب المجاز في الإسناد ، فيتعيّن أن يكون من قبيل حذف المفعول الأوّل « 3 » . الوجه الثاني : قد أشير في بعض الروايات إلى أنّ التقليد هو نفس العمل ، مثل : ما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج ، قال : كان أبو عبد اللَّه عليه السلام قاعداً في حلقة ربيعة الرأي ، فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه ، فلمّا سكت قال له الأعرابي : أهو في عنقك ؟ فسكت عنه

--> ( 1 ) انظر : التقليد ( تراث الشيخ الأعظم ) : 13 - 14 . ( 2 ) انظر : فقه الشيعة ( الاجتهاد والتقليد ) 1 : 35 - 36 . ( 3 ) انظر : المحاضرات ( الداماد ) 3 : 387 - 389 .