مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

187

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

استشارته صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مقام النبوّة ، وفي حين كان أصحابه يتفانون في سبيله حتى ليقولون له : إنّه لو أمرهم بأن يلقوا أنفسهم في البحر لفعلوا ، فإنّه لا يريد أن ينفرد في اتّخاذ القرار ؛ لأنّ أقل مضارّ ذلك هو أن لا يشعر أتباعه بأنّ لهم شخصيتهم وفكرهم المتميّز ، فهو حين يتجاهلهم كأنّه يقول لهم : إنّهم لا يملكون الفكر والفهم والشعور الكافي ، وإنّما هم مجرّد آلة تنفيذ لا أكثر ، وهو يملك فقط حرّية إصدار القرار والتفكير فيه دونهم ، وطبيعي أن ينعكس ذلك على الأجيال بعده صلى الله عليه وآله وسلم ، فكلّ حاكم يأتي سوف يستبدّ بالقرار وسيقهر الناس على الانصياع لإرادته مهما كانت ، وذلك بحجّة أنّ له في رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة ، مع أنّه ليس من لوازم الحكم الاستبداد بالرأي ، فقد استشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو معصوم أصحابه في بدر واحد « 1 » . فقد أمضى اللَّه تعالى سيرة نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم في مشاورته أصحابه في أمر القتال ونحوه ، وتشعر الآية بأنّه صلى الله عليه وآله وسلم إنّما يفعل ما يؤمر ، واللَّه سبحانه راضٍ عن فعله « 2 » . ولذا وردت في كلمات الأئمّة عليهم السلام أحاديث كثيرة في تعظيم التشاور وبيان فوائده والحثّ عليها الشامل لجميع أنواعه . كما قال الإمام علي عليه السلام : « من استبدّ برأيه هلك ، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها » « 3 » . وكما لا يخفى فإنّ الآية المتقدّمة لا تدلّ على الزام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، بل القرار النهائي له صلى الله عليه وآله وسلم ولربّه . ويدلّ على ذلك قوله تعالى : « فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » « 4 » ، وليس في الآية إلزام برأيهم ، وكذا الأمر بالنسبة إلى الفقيه العادل إذا تولّى أمور المسلمين بعد الغيبة ، فإنّه ربّما يستشير الآخرين ويشاركهم في أمور الدولة كما هو مقتضى المصلحة غالباً ، وهو الذي يمارس الخلافة والسياسة والأمور الاجتماعية في الامّة بإجراء أحكام اللَّه لكن مع مشاركة الامّة ليكون الحكم مقبولًا ومؤيّداً بحضور الجماعة

--> ( 1 ) جريدة جمهوري إسلامي ( بالفارسية ) العدد 30 ، ربيع الأوّل 1400 ه . ( 2 ) انظر : الميزان 4 : 57 . ( 3 ) الوسائل 12 : 40 ، ب 21 من أحكام العشرة ، ح 6 . ( 4 ) آل عمران : 159 .