السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

382

موسوعة الفقه الإسلامي المقارن

الصورة الرابعة : الاستغاثة بهؤلاء أنفسهم ليسألوا الله أن يغيث المستغيث ويقضي حوائجه ، وهذه الصورة صحيحة أيضاً لأسباب : الأوّل : أنّ المخاطب والمسؤول الواقعي هو الله تعالى . الثاني : ما استفاض من الروايات - المنقولة في طيّات كلمات الفقهاء - تصريحاً وتلميحاً بكون الأموات يسمعون كلام الأحياء ويأنسون به ، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما - واللفظ للثاني - : « أنّ رسول الله ( ص ) ترك قتلى بدر ثلاثاً ، ثمّ أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال : « يا . . . أليس وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ » فسمع عمر قول النبي ( ص ) فقال : يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جُيفوا ؟ قال : « والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم . . . » « 1 » . وقد ورد في صحيح مسلم أيضاً عن عائشة الشيء نفسه عند زيارة النبي ( ص ) لقبور أهل البقيع « 2 » . ولقد خالف المشهور فرد واحد « 3 » وهناك من سار على نهجه في التفريق بين الاستغاثة بالنبي في حياته وبعد مماته ، متمسّكاً بقوله تعالى : « وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ » « 4 » ، وقوله تعالى : « إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ » « 5 » ، وقد ردّ عليه بأنّ المراد بالآيتين الكفار المصرِّين على الباطل الذين لا ينتفعوا بالتذكير ، كما أنّ الأموات الذين صاروا إلى قبورهم لن ينتفعوا بالتذكير والموعظة بعد أن خرجوا من الدنيا على كفرهم « 6 » . والاستغاثة بغير الله تعالى يمكن أن تكون على أنحاء ثلاثة : 1 - أن يقول : يا رسول الله - أو يا ولي الله - ادع الله أن يرزقني ، ويتوب عليّ ويشفي مريضي . وهذا لا إشكال فيه . 2 - أن يقول أسألك يا الله بحقّ رسولك ونبيك أن ترزقني أو تتوب عليّ أو تشفي مريضي . وهذا أيضاً لا إشكال فيه . 3 - أن يقول : يا رسول الله - أو يا ولي الله - أسألك الرزق والشفاء ، وهذا صحيح أيضاً ، إذا كان يعتقد أن الرزّاق والشافي . . . هو الله تعالى لا غير ، أو كان غير ملتفت

--> ( 1 ) صحيح البخاري 1 : 238 . صحيح مسلم 4 : 2203 . ( 2 ) صحيح مسلم 2 : 669 . ( 3 ) مجموعة فتاوى ابن تيميّة 1 : 103 . ( 4 ) فاطر : 22 . ( 5 ) النمل : 80 . ( 6 ) الإغاثة بأدلّة الاستغاثة ( السقاف ) : 60 ، نقل ذلك عن مختصر تفسير ابن كثير ( الصابوني ) أيضاً .