السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
38
موسوعة الفقه الإسلامي المقارن
الكثير مما وضع كذباً وافتراءً على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من دون ضابطة ولا تمييز ممّا زاد في تشويه السنّة الشريفة التي تعتبر المصدر الثاني من مصادر التشريع في فقه المذاهب . وحتى بعد إباحة تدوين الحديث والبدء بكتابته عام [ 113 ه - ق ] فإنّه كتب في صحف جمعت حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وأقوال الصحابة ، وفتاوى التابعين ، ولم يكن بالإمكان تمييز حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عن قول غيره إلا بادعاء الراوي أو بزعمه ، ولم تكن هناك طريقة واضحة المعالم لمعرفة ما قاله الرسول بالفعل وما تقوّله الرواة عليه ، وقد تفاقمت هذه المشكلة في ما بعد خاصة وأن أصحاب رسول الله كلهم كانوا قد ماتوا ولم يبق منهم على قيد الحياة صحابي واحد عندما أذنت دولة الخلافة بكتابة سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، بل إنّ أكثر جيل التابعين كانوا قد ماتوا أيضاً . كما أنّ أكثر علماء الحديث ومن صنّفوا الصحاح والمسانيد كانوا متأثرين بسياسة مدرسة الخلفاء في الابتعاد عن أهل بيت النبي ( عليهم السلام ) وعدم الأخذ منهم حتى أن البخاري - وهو أوّل الرافعين لشعار صحة الحديث لم يروِ عن الإمام جعفر الصادق حديثاً واحداً ، مع أنّه قد روى عن المجاهيل ومستوري الحال ، وهذا ما أدّى إلى عدم فسح المجال للأُمة في أخذ سنة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عن أهل بيته ( عليهم السلام ) الذين ورثوا علم النبوة كلّه ، وكانت سنّة الرسول كلّها مكتوبة ومبوّبة ومحفوظة عندهم ، لا زيادة فيها ولا نقصان . وأمّا عصر ظهور المذاهب الفقهية ( أوائل القرن الثاني إلى أوائل القرن الرابع ) فلقد تمّ في هذا الدور تأسيس مذاهب فقهية اتّسمت بأسلوب خاص ، كتب لبعضها البقاء إلى يومنا هذا وللآخر الفناء والاندثار ، ودام هذا الدور من أوائل القرن الثاني إلى أوائل القرن الرابع حيث بلغ الفقه فيه ذروته وفيه وضعت أُصول الفقه التي تهيِّئ المجتهد للاستنباط . والمذاهب الفقهيّة التي ظهرت بعد طبقة التابعين بعضها بقي مذهباً فردياً أي انحصر بصاحب الفتيا ، وباد مذهبه بعد موته ، وبعضها الآخر صار مذهباً جماعياً أي له جماعة فلم ينحصر الفقه في آراء صاحب المذهب بل نضج تحت ظل ما دوّنه أصحاب تلك المذاهب وأتباعها في مجموعات متكاملة ، وأضافوا إليها آراءهم الخاصة في المسائل التي لم ينقل فيها عن أئمة تلك المذاهب قول . والمذاهب من النوع الثاني والتي سادت وكتب لها البقاء إلى يومنا هذا هي المذاهب الأربعة المعروفة وهي :