السيد حسن الأمين / السيد عبد العزيز الطباطبائي / الشيخ محمد رضا الجعفري
8
حياة الشيخ المفيد ( سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد )
كل اساءاته ولم يذكروا إلا أنه عالم فحموه ورعوه . وفي الوقت الذي كانت فيه القاهرة الفاطمية تعج بالعلماء وتزخر بالمكتبات ، كانت حلب الحمدانيه حلب سيف الدولة مقرا لأمثال أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني ، وأبي الفتح بن جني وأبي الطيب اللغوي وأبي علي الفارسي وأبي نصر الفارابي وأبي القاسم الرقي والمجتبى الأنطاكي وابن خالويه وابن حوقل إلى أمثالهم . ولا نذكر الشعراء وعلى رأسهم المتنبي . وفي الجانب الآخر في الجانب الشرقي كانت بغداد البويهية ترفل بحلل العلم والفن والأدب وتموج بالعباقرة الأفذاذ في كل فرع من فروع المعرفة ، وتغص بالمعاهد والمدارس والمعابد . وكان الناس على حرياتهم فيما يعتقدون ويرون ، وعلى سجياتهم فيما يدرسون ويؤلفون ، وعلى طرائقهم فيما يتوخون ويبغون ويسلكون من سبل الخير ، وما ينزعون اليه من نوازع ألمعية ومناح لوذعية . تلك كانت روح القرن الرابع الهجري المستمدة من نوافح أهل البيت ، ودوافع تعاليمهم والمؤسسة على قواعدهم والمرتكزة على مبادئهم . في هذا الموجان التعليمي المتدافع ، وفي هذه الايماضات العقلية المشعة ، وفي هذه الحريات الشعبية المترسخة نشأ الشيخ المفيد . نشأ الرجل الذي كان عقلا وعلما واخلاصا وايمانا ، فلا بد أن يكون من أكثر الناس انتفاعا بمزايا العصر الذي يعيش فيه وان لا يضيع منه يوم دون أن يمهد ويؤسس ويعلم ويؤلف ، وان ينكب على التخطيط لا لليوم القريب فحسب بل لليوم البعيد واليوم الابعد فكان منه ما كان . لقد كان الشيخ المفيد المؤسس الأول لمدرسة أهل البيت ، بكل ما تشعر به كلمة ( المدرسة ) من بناء وأساتذة وطلاب وخريجين ، ولم يكن لاتباع أهل البيت ( ع ) قبل الشيخ المفيد مدرسة بهذا المحتوى . والعلماء الذين نبغوا قبله ، انما نبغوا بجهودهم الشخصية ومساعيهم الفردية ، لذلك عظمت مشقاتهم