محمد جواد المحمودي
242
ترتيب الأمالي
بن أبي طالب ، بيدك أسارى ، نسألك من طيّب الطعام فلا تطعمنا ، ومن بارد الشراب فلا تسقينا ، وقد ضيّقت علينا سجننا ! فانكبّ الشيخ على أقدامهما يقبّلهما ويقول : نفسي لنفسكما الفداء ، ووجهي لوجهكما الوقاء ، يا عترة نبي اللّه المصطفى ، هذا باب السجن بين يديكما مفتوح ، فخذا أيّ طريق شئتما . فلمّا جنّهما الليل أتاهما بقرصين من شعير وكوز من الماء القراح ووقفهما على الطريق وقال لهما : سيرا - يا حبيبيّ - الليل ، واكمنا النهار حتّى يجعل اللّه عزّ وجلّ لكما من أمركما فرجا ومخرجا . ففعل الغلامان ذلك ، فلمّا جنّهما الليل انتهيا إلى عجوز على باب ، فقالا لها : يا عجوز ، إنّا غلامان صغيران غريبان حدثان غير خبيرين بالطريق ، وهذا الليل قد جنّنا ، أضيفينا سواد ليلتنا هذه ، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق . فقالت لهما : فمن أنتما يا حبيبيّ ، فقد شممت الروائح كلّها ، فما شممت رائحة أطيب من رائحتكما ؟ ! فقالا لها : يا عجوز ، نحن من عترة نبيّك محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، هربنا من سجن عبيد اللّه بن زياد من القتل . قالت العجوز : يا حبيبيّ ، إنّ لي ختنا « 1 » فاسقا ، قد شهد الواقعة مع عبيد اللّه بن زياد ، أتخوّف أن يصيبكما هاهنا فيقتلكما . قالا : سواد ليلتنا هذه ، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق . فقالت : ساتيكما بطعام . ثمّ أتتهما بطعام فأكلا وشربا . فلمّا ولجا الفراش قال الصغير للكبير : يا أخي ، إنّا نرجو أن نكون قد أمنّا ليلتنا هذه ، فتعال حتّى أعانقك وتعانقني وأشمّ رائحتك وتشمّ رائحتي قبل أن يفرّق الموت بيننا . ففعل الغلامان ذلك واعتنقا وناما . فلمّا كان في بعض الليل أقبل ختن العجوز الفاسق حتّى قرع الباب قرعا خفيفا ، فقالت العجوز : من هذا ؟
--> ( 1 ) الختن : كلّ من كان من قبل المرأة كأبيها وأخيها ، وكذلك زوج البنت أو زوج الأخت .