محمد جواد المحمودي
178
ترتيب الأمالي
« فبقيت إلى يوم النّاس هذا ، وقد اصفرّت لطول زمنها ، وهذه أرض كرب وبلاء » . ثمّ قال بأعلى صوته : « يا ربّ عيسى بن مريم ، لا تبارك في قتلته ، والمعين عليه ، والخاذل له » . ثمّ بكى بكاء طويلا وبكينا معه حتّى سقط لوجهه وغشي عليه طويلا ، ثمّ أفاق ، فأخذ البعر فصرّه « 1 » في ردائه ، وأمرني أن أصرّها كذلك ، ثمّ قال : « يا ابن عبّاس ، إذا رأيتها تنفجر دما عبيطا ويسيل منها دم عبيط ، فاعلم أنّ أبا عبد اللّه قد قتل بها ودفن » . قال ابن عبّاس : فو اللّه لقد كنت أحفظها أشدّ من حفظي لبعض ما افترض اللّه عزّ وجلّ عليّ ، وأنا لا أحلّها من طرف كمّي ، فبينما أنا نائم في البيت إذ انتبهت فإذا هي تسيل دما عبيطا ، وكان كمّي قد امتلأ دما عبيطا ، فجلست وأنا باك ، وقلت : قد قتل - واللّه - الحسين ، واللّه ما كذّبني عليّ قطّ في حديث حدّثني ، ولا أخبرني بشيء قطّ أنّه يكون إلّا كان كذلك ، لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره . ففزعت وخرجت ، وذلك عند الفجر ، فرأيت واللّه المدينة كأنّها ضباب لا يستبين منها أثر عين ، ثمّ طلعت الشمس فرأيت كأنّها منكسفة ، ورأيت كأنّ حيطان المدينة عليها دم عبيط ، فجلست وأنا باك ، فقلت : قد قتل - واللّه - الحسين ، وسمعت صوتا من ناحية البيت ، وهو يقول : اصبروا آل الرسول * قتل الفرخ النّحول نزل الرّوح الأمين * ببكاء وعويل ثمّ بكى بأعلى صوته وبكيت ، فأثبتّ عندي تلك الساعة ، وكان شهر المحرّم يوم عاشوراء لعشر مضين منه ، فوجدته قتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك ، فحدّثت هذا الحديث أولئك الّذين كانوا معه ، فقالوا : واللّه لقد سمعنا ما
--> ( 1 ) صرّه : وضعه .